وإذا عرضنا لمعنى الفناء عند ابن عربي وموقفه مما قيل فيه ومدى موافقته أو مغايرته له فنرى أنه إن تكلم عن الفناء والبقاء بالمعنى الصوفي فإنه يعني به معنى آخر ، وهو الفناء عن الجهل بالوحدة الذاتية للموجودات والبقاء بالعلم بهذه الوحدة ، والواقع أن ابن عربي لم يعتمد العقل وسيلة في هذا الفناء إنما هو يعتمد الكشف وسيلة للمعرفة ، كما صرح في أكثر من موقف بأن علوم هذه الطائفة ليست من قبيل الأخذ عن الآخرين ، إنما هو علم وهبي من اللّه ، يحدث بالتجلي على القلوب عندما تصفو وتصبح في شفافية روحية بعيدة عن المادة ، فيفنى العبد عن نفسه وتقوم فيه المعاني على حسب ما يتجلى عليه الحق وبالشكل الذي يريده فيقول : " إن علومنا غير مقتنصة من الألفاظ ولا من أفواه الرجال ، ولا من بطون الدفاتر والطروس ، بل علومنا عن تجليات على القلب عند غلبة سلطان الوجد وحالة الفناء « * » بالوجود ، فتقوم المعاني مثلا وغير مثل على حسب الحضرة التي فيها التنزّل منها . فمنها ما يقع من باب المحادثة ، ومنها ما يقع من باب المسامرة ، ومنها ما ينقال من باب ما لا ينقال " « 1 » .
وترتبط فكرة الفناء بمذهب وحدة الوجود بحيث يكون هذا الفناء فناء تاما كاملا أي محقا للكون ، وهذا يعني وجود العبد في ذات الحق فيظهر لنا بذلك حقيقة الوجود بوجهيه الحقي والخلقي ، يقول :
فناء الكون في الأعيان محق « * * » * وعين الكون حق ثم خلق
فإن قام الدليل على وجودي * يقوم بذات من يعنيه محق
وإني بالذي يحويه كوني * من أسماء الحقيقة فيّ سبق « 2 »
فهذه الصورة تشير إلى حالة خصوصية إذ أن المحق لا يفوز به إلا الخصوص ، وهو للنفوس المنوّرة ، وهذه تسمى " خلوة « * * * » الحق " « 3 » .
هامش
( * ) رؤية العبد للعلة بقيام اللّه على كل شيء ( كتاب اصطلاح الصوفية ، ابن عربي ، ص 6 ) .
( 1 ) ابن عربي ، كتاب المسائل ، الجزء الثاني ، ص . ص 6 - 7 .
( * * ) المحق فناؤك في عينه ، ( كتاب اصطلاح الصوفية ، ص 9 ) .
( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 731 .
( * * * ) الخلوة - خلوة الحق - محادثة السر مع الحق حيث لا ملك ولا أحد ، ( كتاب اصطلاحات الصوفية ، ص 13 ) .
( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 731 .