ومما يراه ابن عربي أن الإرادة الإلهية إنما يراد بها العناية الإلهية أو الأمر التكويني الذي يشبه في مذهبه القانون العام الذي يحكم الوجود ، وبمقتضاه يسير كل شيء في الكون ، حتى أفعال الإنسان تجري وفاقا له ، فيكون والحالة هذه أن كل ما يبدو من خير أو شر مقدّر أزلا بمقتضى طبيعة الوجود نفسه أي بما كانت عليه في ثبوتها ، وينشأ عن هذا الخير أو الشر أخيار مهتدون وأشرار ضالون ، وهذا لا يغيب عن علمه تعالى ، فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه ، ويريدها كما يعلمها « 1 » . فأفعال الناس جميعا تصدر بمقتضى الإرادة الإلهية وإن خالف بعضها أوامر اللّه التكليفية ، كما أن فعل الإنسان يصدر عن نفسه وذلك بمقتضى طبيعته والقوانين التي تحكمه ، وهي منذ الأزل ثابتة في علمه تعالى غير متغيّرة ، حتى أن اللّه نفسه لا يملك تغييرها لما اقتضته مشيئته وإرادته أزلا ، وإذا اختار العبد فعلا من الأفعال الممكنة فاللّه يريده منذ الأزل . وهكذا فإنا نرى أن عناية اللّه قد اقتضت أن تحقق أفعال الناس على نحو ما استقر في أعيانها الثابتة ، بمعنى أن الإنسان إذا أتى خيرا جاء هذا عن استعداده الأزلي لإتيان الخير ، وإذا أتى شرا صدر هذا عن استعداده لإتيان الشر . وجنى العبد في الحالين ثمرة علمه أي ثمرة ما فطر عليه منذ الأزل « 2 » .
والجدير بالذكر أن العبد في كل أفعاله وما يصدر عنه سواء كان عمل خير أم شر ، فهو يطيع الإرادة الإلهية لأنه لا يأتي منها ما يطابق إرادته الإلهية ، فإن أتى فعلا طابق الأمر الإلهي أو النهي الإلهي كان طاعة أو خيرا وإلا كان معصية أو شرا . ومن أجل هذا جاءت كل المعاصي والشرور بمقتضى إرادة اللّه وعلمه الأزليين « 3 » . وهذا يناقض رأي المعتزلة : فيما رأوه أن الإنسان خالق لأفعاله ، وقد بين النسفي حقيقة قولهم قائلا : قالت المعتزلة أفعال العباد كلها مخلوقات للعباد ، والعبد هو الذي يخلق فعل نفسه ، خيرا أو شرا ، لأن العبد عندهم مستطيع باستطاعة نفسه قبل الفعل ، ولا يحتاج إلى الاستطاعة والقوة من اللّه تعالى ، وإذا كان العبد مستطيعا باستطاعة نفسه قبل الفعل
هامش
( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 118 . ( انظر أبو العلا عفيفي في التعليقات ، ص 62 ) .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 41 . ( انظر أبو العلا عفيفي في التعليقات ، ص 163 ) .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 98 . ( انظر أبو العلا عفيفي في التعليقات ، ص 103 ) .