تصوّر ، وفينا ظهر ، فنحن مجلى تجلّي كل شيء وظهوره " « 1 » وهكذا فإن ما يراه ابن عربي أن اللّه له الظهور والبطون في الخلق ، فهو الظاهر في كل شيء ، والباطن في كل شيء فهو الأول والآخر وفيه يقول :
ظهوري بطون الحق في كل موطن * وحدّي وجود الحق في كل مطلع
فلو كان عيني في وجودي لم أكن * وإن كان لم يظهر فضاق من اتسع
فيا خيبة الأكوان إن لم يكن بها * ويا سعدها إن كان في عينها طلع
هو البرق إلا أنه هو قلب * فما يسبحه رعد ولا قطر يقع « 2 »
فهذه إشارة إلى قيام كل موجود به تعالى ، فهو باطن كل شيء وظاهره ، ولولاه لما ظهرت الموجودات ، ولما عرفت التعينات إلى الوجود سبيلا . ولهذا عرف تعالى بهويته فقال :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ
« 3 » وما ثمّ إلا أنا ، وقال : من ظهر لي بطنت له لأنه ما ظهر أحد للّه حتى فارقه ، إذ لو لم يفارقه لما ميّز نفسه عنه ، فبطن الحق في ظهوره فهو السور الذي باطنه الرحمة ومن قبله العذاب « 4 » " « 5 » .
وهكذا يحاول ابن عربي في منحاه هذا أن يظهر ما في الخلق من جانب إلهي يقوم به وجوده ، فالحق أصل كل شيء ، وله ظهور في كل شيء ، فهذا دليل الوسع الإلهي الذي يحتوي الوجود جميعه ، ولهذا قال أن الموجود هو حق من حيث عينه وأصله ، وخلق من حيث صورته ، وينطوي هذا على الفكرة الأساسية التي يقوم عليها مذهبه وهي أنه " لما كان الحق هو أصل الوجود ، بل هو الوجود الحق ، والموجودات قائمة به محفوظة بوجوده ، لزم من ذلك أن يكون في كل موجود جانبا إلهيا يقوم به ديمومته ، ويهلك بزواله عنه لزوال الروح الحافظ له ، لذلك فإن العارف هو من يرى
هامش
( 1 ) الجيلي ( عبد الكريم ) ، شرح على مشكلات الفتوحات المكية ، الجزء الأول ، مصدر سابق ، ورقة 4 .
( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص . ص 741 - 742 .
( 3 ) سورة الحديد ، الآية : 3 م .
( 4 ) سورة الحديد ، والآية هي :فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُالآية : 13 م .
( 5 ) ابن عربي ، المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 743 .