وجود بغير واجب الوجود بذاته ليس إلا " « 1 » . فالوجود القائم به كل شيء إذن كما يراه ابن عربي هو " الحق " ولذا فهو مصدر كل وجود ، وموجود في كل وجود ، فلا قيام لشيء دونه ، فهو الخير المحض ، لأن الوجود كما رأينا هو الخير ، والعدم هو الشر ، لذلك فهو الوجه الباقي في كل شيء لأنه خير ، والخير لا يفني ولا يزول .
وهكذا فإن ابن عربي يرى في الوجود وجه الحق الذي لا يفنى ولا يهلك لأنه هو مصدر وجود لكل شيء ، والمتجلّي في كل شيء " فما في الوجود إلّا حق ، فإنه موجود عن حق ، ولا يوجد الحق إلّا الحق ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم في دعائه مخاطبا ربه تعالى " والخير كله في يديك ، والشر ليس إليك " « 2 » فإنه ضد الخير ، فما صدر عن الخير إلا الخير ، والشر إنما هو عدم الخير ، فالخير وجود كله ، والشر عدم كله لأنه ظهور ما لا عين له في الحقيقة ، فهو حكم ، والأحكام نسب . . . وقال تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 3 » فكل شيء موجود نشاهده حسا أو نعلمه عقلا فليس بهالك فكل شيء وجهه ، ووجه الشيء حقيقته ، فما في الوجود إلا اللّه فما في الوجود إلا الخير وإن تنوعت الصور ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخبرنا أن التجلي الإلهي يتنوع ، وقد أخبرنا اللّه تعالى أنه :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
« 4 » " . فهذه دلالة واضحة على توحيد ابن عربي للوجود ، وما ثم إلا حق في كل وجود ، وما ثم موجود إلا اللّه تعالى على كل وجه علم ذلك من علمه ، وجهل ذلك من جهله ، وبهذا يفرق ابن عربي بين مقالة أهل النظر وأهل الكشف حيث يقول صاحب العقل :
وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد
في حين يقول صاحب التجلي :
وفي كل شيء له آية * تدل على أنه عينه
هامش
( 1 ) ابن عربي ، كتاب الأزل ، الجزء الأول ، مصدر سابق ، ص 7 .
( 2 ) الحديث : ورد في الترمذي كتاب الدعوات رقم 3344 ، والنسّائي 887 الافتتاح ، أبو داوود الصلاة برقم 649 .
( 3 ) سورة القصص ، الآية : 88 .
( 4 ) سورة الرحمن ، الآية : 29 م .