أنه ما في الوجود ذات قائمة من جماد وغيره إلا ولها روح حافظ عليها عن أمر اللّه عاقل عن اللّه وغير عاقل عن اللّه « 1 » توضيح للقصد الذي يرمي إليه من قوله هذا وهو : أن الوجود لما كان أصلا لكل موجود فهو لا يفارقه لأن قيامه به ، فتكون معيّته له دون مفارقة ، إذ لا قيام له دونه ولهذا أشار بقوله : " كن مع اللّه كما هو معك " وهو يستند في ذلك إلى قوله عز وجل :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
« 2 » فإنه القائم على كل شيء ، القائم به كل شيء « 3 » . لهذا فنحن معه بالتضمين وهو معنا بالتصريح ، ونحن معه بكونه آخذ بنواصينا ، فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى بنا في صراطه ، فما من أحد من العالم إلا على صراط مستقيم وهو صراط الرب تعالى « 4 » . ومما يراه أبو العلا عفيفي أن هذه المعيّة تتضمن معنى الظهور والبطون أو الفعل والقوة اللذان هما وجه الحقيقة الوجودية ، إذ أن كل ما هو موجود فهو مظهر ومجلى للوجود الحق ، أما أعيان الممكنات فهي إمّا باقية في حال عدمها أو موجودة بالوجود الحق " فإنك إذا نظرت إلى الحقيقة الوجودية من حيث أنها الحق كان الوجود الظاهر ( العالم ) شيئا موجودا فيه بالقوة ، أو متضمنا ، كما يقول ، وإذا نظرت إليها من حيث الخلق الظاهر قلت إنّ ذلك الظاهر مجلى للحق ومظهر ، وإن الحق متضمن فيه « 5 » . وهذا عين ما أشار إليه ابن عربي فيما يختص بما هو ظاهر وما هو باطن من الخلق ، " ونحن مجلى لكل شيء يظهر في عينه الأمور " . ويوضح لنا الجيلي ما يرمي إليه ابن عربي من معنى الظهور والبطون في كل الأمور من حيث هي مجلى للحق الذي هو أصل كل شيء ، فجاء قوله بمعنى : ونحن مجلى لكل شيء يظهر في عينه الأمور أي فنحن مظهر لكل شيء ، تظهر الأمور في عين ذلك المظهر ، أي تبدو فينا كل الأمور لأنها مجلى لكل شيء ومظهر ، لأن الحق الذي هو أصل جميع الأشياء ظهر بنا من حيث ذواتنا وأعياننا ، فينا
هامش
( 1 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ، ص 26 .
( 2 ) سورة الحديد ، الآية : 4 م .
( 3 ) الجيلي ( عبد الكريم ) ، شرح على مشكلات الفتوحات ، المصدر السابق ، ص 19 .
( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 157 .
( 5 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، تعليقات على الفصوص ، الجزء الثاني ، مرجع سابق ، ص . ص 217 - 218 .