أما أبو علي الروذباري فإنه فتح عينيه في آخر لحظة ، وقال : هذه أبواب السماء قد فتحت ، وهذه الجنان قد زينّت ، وأنشأ يقول :
وحقّك لا نظرت إلى سواكا * بعين مودةّ حتى أراكا
أراك معذّبي بفتور لحظ * وبالخدّ المورّد من جناكا « 1 »
وآخر نفس لأبي سعيد الخراز قال فيه :
حنين قلوب العارفين إلى الذكر * وتذكارهم وقت المناجاة للسرّ
أديرت كؤوس للمنايا عليهم * فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي السكر
همومهم جوّالة بمعسكر * به أهل ودّ اللّه كالأنجم الزّهر
فأجسامهم في الأرض قتلى بحبّه * وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسرى
فما عرّسوا إلا بقرب حبيبهم * وما عرّجوا عن مس بؤس ولا ضر « 2 »
والشبلي ، حين قارب الرحيل ، وتأكد لديه الرجوع ، ظل طوال الليل يردد أبياتا للحلّاج . . لقد استطاع بعض الصوفية أن يحوّل أشد لحظات الإنسان فردية وهي لحظة الموت ، إلى لحظة صحبة ومشاركة . فالحلّاج شارك الشبلي لحظة الموت عبر أبياته :
كل بيت أنت ساكنه * غير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجّتنا * يوم يأتي الناس بالحجج « 3 »
والحلّاج سار إلى لقاء ربه . وهو يردد أبياتا لأبي الحسن النوري ، ظل يقول :
ما أن ذكرتك إلّا همّ يقتلني * ذكري وسرّي وقلبي عند ذكراكا
حتى كأنّ منك يهتف بي * إيّاك ، إيّاك والتّذكار إيّاكا
أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده * وواصل الكّلّ من معناه معناكا « 4 » ؟
هامش
( 1 ) م . ن ، ج 2 ، ص ص 593 - 594 . .
( 2 ) القشيري ، الرسالة . ، ج 2 ، ص 591 . .
( 3 ) م . ن ، ج 2 ، ص 590 . .
( 4 ) عبده وازن ، ديوان الحلّاج ، دار الجديد ، بيروت ، ط 1 ، 1998 م ، ص 250 .