الخاتمة
نختم كلامنا على الجيلي وأسلوبه وقصيدته العينية بإظهار موقع الشعر عند الصوفي ، في إطار جدلية تاريخية بين الإسلام والشعر .
وأقول ، يلتقي أرسطو في تقديره للشعر برجالات الصوفية الكبار ، فهو يرى أن الشعر الحق تعبير عن الإنسانية الكاملة « 1 » ، وعديد منهم في أصدق لحظة من حياتهم ، لحظة الموت ، نطق بالشعر ، إذ لم يجد ما يعبّر بشفافية عن جوهر إنسانيته إلا الكلام المقطّع الذي يتسع لكل أشكال « آه » النفس الانساني . وعديد منهم أيضا ، محفوظة أخبارهم في كتب الطبقات ، أتلفهم بيت من الشعر ، حتى أضحت مسألة « الشعر والموت » ظاهرة صوفية في القرنين الثالث والرابع الهجريين . وها هو أبو الحسين النوري يسمع قوّالا ينشد :
لا زلت أنزل في ودادك منزلا * تتحيّر الألباب عند نزوله « 2 »
فيتواجد ، ويغيب في وجده عن جسده ، فيمشي الجسد على أرض أجمة قطع قصبها وبقيت أصوله أحدّ من السيف ، وظل يمشي مأخوذ الوعي يعيد بيت الشعر والدماء ترشح من قدميّه . وكان ذاك الحادث سبب موته بعد ثلاثة أيام ، لم يكد يصحو فيها .
هامش
( 1 ) أرسطو ، فن الشعر ، ترجمة بدوي ، ص 17 . .
( 2 ) القشيري ، الرسالة القشيرية ، تحق : د . عبد الحليم محمود ومجمود بن الشريف ، دار الكتب الحديثة ، مصر ، 1974 م ، ج 2 ، ص 594 . .