غالبا باستقامة القامة أو باللين ؛ فإذا كان المراد من ذكره لين حركته ، فيؤوله الناسك حينئذ بميل النفوس تارة للطاعة ، وتارة للفترة . ويسوغ أن يؤوله السالك بالمخالفات نظرا إلى ميلان الغصن . . . ويسوغ أن يؤوله المحب بالمحبوب ، فإذا كان في الجانب الإلهي أوّله باسمه القائم والقيوم ، وأمثال ذلك ، لأن البان إنما يذكر غالبا كناية واستعارة عن القامة . ويؤوله المجذوب بالأحدية » « 1 » .
هذا ، ولا يحصر الجيلي التأويلات بما أورد ، ولكنه يظهرها على سبيل المثال ، وبقصد إرساء نهج التأويل بمعزل عن الجزئيات .
ثالثا - التأويل الإلهامي . . فتوح التأويل :
يبني الصوفية معرفتهم اليقينية على الإلهام ، على النور الذي يقذف في الصدر ؛ والجيلي يجعل التأويل الصوفي نفسه نوعا من المعرفة الإلهامية والفتوح الرباني .
وبذلك يختلف عن باقي التأويلات بمصدره اللدني ، وبضرورة خضوعه إلى معايير بعديّة .
فالصوفي يصرف وجه قلبه ، عند استماع « اللفظ » أو قراءته ، لا إلى معاجم اللغة ومجازها ورموزها بل إلى اللّه تعالى ، وينتظر أن يعلّمه ما لم يكن يعلم ، بمناسبة السماع أو القراءة .
يقول الجيلي في كتابه غنية أرباب السماع ، ما نفهم منه أن التأويل نوع إلهام :
« إعلم أن جميع ما أشرنا إليه من تأويل هذه الألفاظ [ المفردة ] ، بما أوّلناها به ، ليس بمقصور ، ولا محصور على ذلك . بل لكل كلمة من هذه الكلمات تأويلات كثيرة تفجأ عباد اللّه تعالى ، من غير تعمل ولا اجتلاب ، لأن أسماع قلوبهم مصروفة إلى باب خزائن جود اللّه تعالى ومواهبه ، فتفجأهم تلك المعاني ، من غير سابقة علم بها ، فلا تتوهم أنهم يتعلّمون ذلك من حالة الواجد » « 2 » .
إن تأويل النص وفهمه هما من جملة المواهب الإلهية التي تفجأ الإنسان ،
هامش
( 1 ) الجيلي ، غنية أرباب السماع ، ق 92 ظ .
( 2 ) م . ن ، نهاية الباب الأول ( نقلا عن غنيمي ص 398 ) .