أما الإشارة فهي معقودة بالألغاز ، وتلعب دورا هاما في التواصل ، لا من فرد إلى فرد ، بل في التواصل على مستوى الجماعة . ومعظم رجال الصوفية يستفيدون إشاراتهم من النص القرآني ، وفي أغلب الأحيان ، من حياة الأنبياء كما نصها القرآن .
وهذا الرجوع إلى حياة الأنبياء إلى « التاريخ المقدس للإنسان » ، وتصوير التجربة الصوفية والمعاناة بلغة إشارة نبوية ، يشكّل وسيط فهم ولقاء بين أشخاص الجماعة ، ويخرج بالتجربة الصوفية في فرديتها إلى المساحة المشتركة بين ناسها .
* * * * *
V
- القصيدة العينية
يقول الجيلي في الإنسان الكامل أنه ألّف قصيدة سمّاها « البوادر الغيبية في النوادر العينية » ، وهي : « قصيدة عظيمة لم ينسج الزمان على كمّ الحقائق مثل طرازها ، ولم يسمح الدهر بفهمها لاعتزازها » « 1 » .
ونضع بين قوسين ، الانطباع الذي يحدث لدينا عند قراءة هذا الكلام ، لنفسح المجال أمام مساءلة القصيدة ومقارنتها وتحليلها ، لتكوين رأي موضوعي حول قيمتها العلمية في حقل التصوف . ونقسم عملنا حولها إلى عدة فقرات هي الآتية :
أولا - فرادة القصيدة العينية :
هل صحيح أن العينية - كما قال الجيلي - هي قصيدة عظيمة لم ينسج الزمان على كم الحقائق مثل طرازها ؟ جوابنا هو : نعم ولا .
عندما كتب الجيلي قصيدته ، كان ابن الفارض قد فارق عالمنا بما يزيد على القرنين ، ولا نعلم إلى أي مدى يعرف الجيلي الشاعر الصوفي الكبير عمر بن الفارض ، المعاصر لابن عربي . فهو لم يكد يذكره فيما نعرفه من كتبه ، وهذا مستغرب .
تضمن ديوان ابن الفارض قصيدة شهيرة ، حظيت بشروحات عديدة ، هي
هامش
( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل . . . ، ج 1 ، ص 28 .