الفناء في الله هو التشكّل بعوالم الكثرة ، ورعاية حقّ كلّ عالم كما هو حقّه ، وهو الكون مع الله في عالم الخلق والاتّصاف بالصفات الخلقيّة في عين الوحدة الربوبيّة ، حيث يوجد العشق والعزاء ، والتوحيد والكثرة معاً . وقد شوهدت هذه الحالات نفسها عند سماحة السيّد الحدّاد أواخر عمره ، فقد صار له مقام البقاء بعد نيله مقام الفناء الصِّرف والتمكّن في التجرّد ، لذا فقد كان مشهوداً منه بكاؤه بحرقة ولوعة في مجالس العزاء مقروناً بالعشق الشديد . كما أنّ سيّد الشهداء عليه السلام قال بنفسه لابنته الحبيبة سكينة :
لَا تُحْرِقِي قَلْبِي بِدَمْعِكِ حَسْرَةً * مَا دَامَ مِنِّي الرُّوحُ في جُثْمَانِي
وباختصار وإجمال : فإنّ قصّة كربلاء قصّة غامضة ومعقّدة جدّاً ، فهي كالعُملة المعدنيّة ذات وجهين ، وجهها الأوّل عشق وحماس سيّد الشهداء عليه السلام وفوزه بتلك العوالم ، والوجه الآخر الغمّ والهمّ والعذاب والألم والبكاء . لكن الذين يمكنهم رؤية ذلك الوجه الآخر هم الذين شاهدوا هذا الوجه وتخطّوه وعبروه ؛ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ .
قراءة سماحة الحدّاد أشعار « المثنويّ »
قراءة سماحة الحدّاد أبيات عاشوراء وكأنّها مختمرة مع روحه ونفسه
نعم ، لقد كان أسلوب وكيفيّة قراءة أبيات مولانا هذه بشكل كأنّ السيّد الحدّاد كان متّحداً مع حقيقة تلك المعاني ، فهو يتحدّث عن مَعين واقعيّاتها وحقائقها ومعادنها . لكأنّ يوم عاشوراء ماثل أمامه ، فهو يُخبرعن ضمير سيّد الشهداء عليه السلام وباطنه ويكشف الستار عن أصحابه وأنصاره .
وكان لفظ « الفَناء » أكثر الألفاظ تردّداً على لسان الحدّاد ، فلم يكن ليرى مفرّاً ولا مناصاً أسمى من الفناء ليدعو رفقاءه إليه .
ولقد بقي الحقير في كربلاء إلى اليوم الثالث لشهادة الحسين عليه السلام ، ثمّ ذهبتُ إلى الكاظمين عليهما السلام برفقة الأستاذ في اليوم الرابع عشر من المحرّم وتوقّفنا فيها يومين ، ثمّ تشرّفتُ بالذهاب معه إلى