قد أوردته - ومنها البخاريّ . وأمّا الثانية فتدفع هذا الحديث وتستبعد صدوره عن النبيّ الذي لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى ، « 1 » وحجّتها ما أثبته العلم وحقّقته التجربة من ضرر الذباب ، وأنّه ناقل للعدوى في أمراض كثيرة .
وإن المرء ليأسى أن يقوم إنسان في هذا العصر الذي زخرت فيه بحار العلم وأخرجت من عجائب المخترعات والمستكشفات ما يُدهش العقول ، وتسابق أهلوه في مضمار ما استطاعوا للانتفاع بما خلق الله لهم وسخّره لعلومهم في السماوات والأرض ، متّخذين في ذلك كلّ سبب من أسباب العرفان والتجربة ، فيشغل الناس بهذه الأبحاث العقيمة التي لا تنفع ولا تفيد ، بل هي إلى إساءة الدين أدنى ، وإلى ضرر الناس أقرب !
ولقد كان جديراً بمجلّة « لواء الإسلام » ألّا تسوّد صفحاتها بمثل هذا البحث العقيم الذي يفتح ولا ريب على الدين شبهة يستغلّها أعداؤه ، ويتوارى منها أولياؤه ، وأن تدع الأمر في مثل هذا الحديث إلى العلم وتجاربه ، وما وصلت إليه أبحاثه الدقيقة التي لا يمكن نقضها ، ولا يردّ حكمها !
وما ذا يضرّ الدين إذا أثبت العلم ما يخالف حديثاً من الأحاديث التي جاءت من طريق الآحاد ؟ !
أمّا الأخبار التي جاءت من طريق الآحاد فإنّها لا تعطي اليقين ، وإنّما تعطي الظنَّ الذي لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئا . « 2 » فللمسلم أن يأخذ بها ويصدّقها إذا اطمأنّ قلبه بها ، وله أن يدعها إذا حاك في صدره شيء منها . وهذا أمر معروف عند النظّار ، ولا يعارض فيه إلّا زوامل الأسفار من الحشويّة
هامش
( 1 ) - اقتباس من الآية 3 ، من السورة 53 : النجم : وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَي .
( 2 ) - الآية 28 ، من السورة 53 : النجم .