هَذَا ؟ !
فَقَالَ : مَصَارِينُ « 1 » البَطِّ مَحْشُوَّةً بِالمُخِّ قَدْ قُلِيَ بِدُهْنِ الفُسْتُقِ ، وَذُرَّ عَلَيْهِ بِالطَّبَرْزَدِ .
فَبَكِيتُ . فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ ؟ !
قُلْتُ : ذَكَرْتُ عَلِيَّاً ، بَيْنَما أنَا عِنْدَهُ ، وَحَضَرَ وَقْتُ الطَّعَامِ وَإفْطَارِهِ ، وَسَألَنِي المُقَامَ فَجِيءَ لَهُ بِجِرَابٍ مَخْتُومٍ . فَقُلْتُ : مَا في هَذَا الجِرَابِ ؟ !
قَالَ : سَوِيقُ شَعِيرٍ ! قُلْتُ : خِفْتَ عَلَيْهِ أنْ يُؤْخَذَ ؟ ! أوْ بَخِلْتَ بِهِ ؟ !
فَقَالَ : لَا ، وَلَا أحَدُهُمَا . وَلَكِنِّي خِفْتُ أنْ يَلُتَّهُ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ بِسَمْنٍ أوْ زَيْتٍ .
فَقُلْتُ : مُحَرَّمٌ هُوَ يَا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ ؟ !
فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ يَجِبُ على أئِمَّةِ الحَقِّ أنْ يَعُدُّوا أنْفُسَهُمْ مِنْ ضَعَفَةِ النَّاسِ لِئَلَّا يُطْغِى الفَقِيرَ فَقْرُهُ .
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : ذَكَرْتَ مَا لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُ ! « 2 »
لا ينازع معاوية أحد في النفاق والتزوير
استبان ممّا ذكرناه أنّ معاوية كان السبّاق بلا منافس في النفاق
هامش
( 1 ) - مفردها مَصِير وجمع مصير أمصرة ومُصْران . وجمع الجمع مصارين . والمصير هو ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة . البطّ ، الواحدة : البطّة للمذكّر والمؤنّث ، وهو طير مائيّ قصير العنق والرِّجلين ، وهو غير الأوزّ وجمعه بطوط وبَطاط . والمخّ بتشديد الخاء نِقي العظم ، وربّما سمّوا الدماغ مخّاً . والفستق شجر مثمر وحرجيّ وثماره لذيذة ، والبندق شجر من فصيلة البلوطيّات ثماره لوزيّة لذيذة الطعم . الجراب جلد الحيوان يُستعمل وعاءً ويُشدّ رأسه بخيط من جِلد . السويق : الناعم من دقيق الحنطة والشعير . لَتَّ يَلُتُّ لتّاً بَلَّ الدقيق بالماء أو خلطه بالسمن .
( 2 ) - « شيخ المضيرة » ص 180 و 181 في الهامش ، نقلًا عن ص 422 من كتاب « نثر الدرّ » للوزير أبي سعيد منصور بن الحسين الأبي المتوفّى سنة 422 ه - .