والزبير ، فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما ، ثمّ أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا . ثمّ قام أبو بكر فخطب الناس ، واعتذر إليهم ، وقال : إنَّ بَيْعَتِي كَانَتْ فَلْتَةً وَقَى اللهُ شَرَّهَا . « 1 »
والعجب أنَّ أولئك الخلفاء المنتخبين قاموا بتلك الأعمال والممارسات باسم الدين ومناصرة الدين ، وطبعوها بطابع الإسلام ، وأضفوا عليها عنوانه . والعجب كلّ العجب من سير الإنسان في طريق معكوس تماماً وهو يعلم بذلك حقيقة العلم ، بَيدَ أنَّ هوى النفس قد أعماه وأصمّه وزيّن له أنه على صراط مستقيم ، وهو منحرف كلّ الانحراف عن هذا الصراط وهذا هو ما سوّلت له نفسه ، كما قال تعالى في كتابه الحكيم :
إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا على أدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأمْلَى لهُمْ . « 2 »
وما أدري هؤلاء أنَّ حقيقة التخلّف تتمثّل في التقديم بين يدي الله ، واستباق أوامره ، والتقدّم على منهاج رسول الله . وأنَّ كلّ من رفع صوته فوق صوت رسول الله ، وتعامل معه ومع دينه ونواميسه كما يتعامل مع سائر الأمور الأخرى ، فقد حبطت أعماله وكان من الهالكين . ولا يسجّل في كتاب أعماله إلّا الخيبة والخسران . وكأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أن تَحْبَطَ أعْمَالُكُمْ وَأنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ .
هامش
( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » ج 2 ، ص 50 ، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة .
( 2 ) - الآية 25 ، من السورة 47 : محمّد .