النبيّ يعمل دائباً وباستمرار لإعداد الأرضيّة المناسبة ويخطّط لها .
فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام وكان قد أرسله إلى اليمن أن يرجع إلى مكّة ومعه جزية أهل نجران . والتقيا في مكّة ؛ وأصبحا شريكين في الحجّ ، ونحرا مائة من البُدن في منى . وكان الفخر في المشاركة في الحجّ من نصيب مولى الموالى فحسب . وقد ثقل ذلك على البعض ؛ بخاصّة أولئك الذين رفعوا عقيرتهم بالاعتراض في العمرة وحجّ التمتّع . فأرهقوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأغضبوه وأزعجوه كثيراً .
وخطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مكّة وعرفات ومنى خمس خطب . وكلّما أراد أن يعلن للملأ بصراحة عن ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عملا بتعليمات جبرئيل في هذا الصدد . وشعوراً بالمسؤوليّة حيال عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، لم يجد الفرصة مؤاتية لذلك . فلهذا كان يوصي بعترته وأهل بيته في تلك الخطب .
فهذه درجة متقدّمة ، إذ تمهّد الأرضيّة للإعلان والتعريف الشخصيّ ؛ وحتّى أننا نجد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في آخر خطبة خطبها بمنى يوصي بكتاب الله وعدم افتراقه عن العترة الطاهرة من أهل بيت النبوّة . وأنهما متلازمان متلاصقان لا يفترقان ؛ وأنهما مترافقان إلى قيام الساعة حتّى يردا على رسول الله الحوض في تلك العرصات . وأنهما معاً يضمنان سعادة الإنسان دوماً وأبداً .
ثمّ خرج النبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم من مكّة يوم الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجّة . وتوجّه إلى المدينة مع تلك المواكب والمحامل ، وفي غد ذلك اليوم وقبل يوم الغدير بثلاثة أيّام نزل جبرئيل بقوله عزّ من قائل : يَا أيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا انْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رَسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
معرفة الإمام — صفحة 41
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٤١