بَيدَ أنّ أولياء الله يموجون في بحر الرحمة وهم عائمون في ذلك المحيط الخضمّ ؛ متمكّنون في منهل الرحمة وفيض الوجود ؛ مستقرّون في محلّ الأمن والأمان الأمين ؛ فكيف يُتصوّر صدق الفقدان عليهم ، سواء فيما فاتهم أو فيما سيأتيهم ؟
وهل ينقص ماء البحر إذا اغترف منه أحد شيئاً ؟ وهل يزيد إذا أضاف إليه ماءً ؟ لا يكون ذلك أبداً . وهكذا حال أولياء الله وصفتهم .
إنّ أولياء الله هم وجه الله ؛ فهم باقون ببقاء الله . قال عزّ اسمه :
مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ . « 1 » وقال تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ . « 2 »
أنّ وجه كلّ شيء هو عبارة عمّا يواجهه الإنسان بواسطته ؛ ووجه الأشياء ليس بمنفصل عنها ؛ ولذلك فإنّ أولياء الله الذين يمثّلون وَجْهَ الله متمكّنون في سُبُحات وجه الله من خلال خطواتهم الصادقة ، ومنصهرون في غمار أنواره ؛ خارجون عن تبعة الأعمال ، ولا يخصّون بزمان خاصّ أو مكان خاصّ .
فَأيْنَمَا تُوَلُّوُا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ . « 3 »
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإكْرَامِ . « 4 »
يتّفق قرّاء القرآن بأجمعهم على أنّ ( ذُو الْجَلَالِ ) مرفوعة نعتاً للوجه ، لا للربّ . وليس أن يقال إنّها نعت مقطوع على تقدير هُوَ ؛ لأنها
هامش
( 1 ) - الآية 96 ، من السورة 16 : النحل .
( 2 ) - الآية 88 ، من السورة 28 : القصص .
( 3 ) - الآية 115 ، من السورة 2 : البقرة .
( 4 ) - الآيتان 26 و 27 ، من السورة 55 : الرحمن .