ومطابق تلك الصورة أيضاً متوهَّم ومحدود في الخارج ؛ وليس ذلك بالمعبود الحقيقيّ والمقصود الأصليّ ؛ بل غير المقصود .
ومن الطبيعيّ أنّ هذا اللون من العبادة ينبغي ألّا يحظى بالقبول من قبل الحقّ تعالى لكنّه قبله بفضله وبرحمته . وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عليْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أحَدٍ أبَدًا . « 1 »
العارفون بالله يعبدون ذاته
وأمّا العارفون بالله والمقرّبون إلى حريمه المقدّس فإنّهم لا يعبدون الله بالمفهوم الفكريّ والصورة الخيالية الذهنيّة أبداً ، ولا يعبدون المعادل الخارجيّ لذلك المفهوم أبداً ، بل أنّ عبادتهم تختصّ بالذات الحقيقيّة لربّهم جَلَّتْ عظمتُه ؛ فهم يدعون الله حضوريّاً وشهوديّاً سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ ، إلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ . « 2 » وسبيل الوصول إلى هذا الهدف هو تمكّن ذكر الله في القلب . قال تعالى :
فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أوْ أشَدَّ ذِكْرًا . « 3 »
وهذا الشهود والعرفان له درجات ومراتب متنوّعة ؛ وكلّما تحقّقت منه درجة ، توفّرت المعرفة بقدرها ؛ فالدرجة الأولى مشاهدة التوحيد الأفعالىّ ، والفناء فيه ؛ والدرجة الثانية مشاهدة التوحيد الاسميّ ، والفناء فيه ؛ والدرجة الثالثة مشاهدة التوحيد الذاتيّ ، والفناء في الذات المقدّسة للحقّ تعالى .
ولا يتحقّق الكمال لأحد إلّا إذا تحقّقت الدرجات الثلاث من الفناء فيه ؛ وبكلام آخر ، إذا فنى في فعل الحقّ واسمه وذاته ؛ ولا بدّ للإنسان في
هامش
( 1 ) - الآية 21 ، من السورة 24 : النور .
( 2 ) - الآيتان 159 و 160 ، من السورة 37 : الصافّات .
( 3 ) - الآية 200 ، من السورة 2 : البقرة .