أمامه تكوينيّاً في صفة العبوديّة المحضة ، وصار كلّ منهم لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً وَلَا مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً .
معاد سكّان السماوات والأرض على هيئة « فُرادي » ، أي من دون تعيّن
أمّا المراد من مجيء كلّ مَن في السماوات والأرض عند ربّه فرداً ، أي إتيان الجميع صفر الأيادي خالية ، لم يحملوا معهم من أسباب الدنيا وتعيّناتها شيئاً ، ولم يصطحبوا معهم شيئاً من الحول والقوّة والأولاد والعون والعشيرة والأموال والرسوم الدنيويّة التي جعلتهم ذوي وجاهة واستكبار .
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ . « 1 »
وهذا هو معنى الفرد الوارد في الآية : وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً .
أي أنّ كلّ امرئ يذهب إلى الله وهو عارٍ ، أي دون أن يستصحب معه أي شيء ممّا كان يدّعي ملكيّته في الدنيا ، فيأتي ربّه فرداً وحيداً بكلّ ما للكلمة من معنى ، وعبداً بحقيقة معنى العبوديّة .
لقد كان عبداً أبداً ، وما كان مالكاً ولن يكون ، على الرغم من ادّعائه الربوبيّة والملكيّة وهو في عالم المجاز وخلف حجاب الأنانيّة ؛ وسيُكشف يوم ظهور الحقائق وتجليّها - يوم القيامة - زيف دعواه الملكيّة ، وأنّه ما كان إلّا عبداً حقّاً ، ولن يكون إلّا كذلك .
وهذا هو معنى الفرد ، الذي ذُكر بصيغة الجمع - فرادى - في آية أخرى ، حيث تقول الملائكة عند قبض أرواح الظالمين :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ( بلا تعيّن ولا أسباب ) كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُا لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ . « 2 »
هامش
( 1 ) - الآية 166 ، من السورة 2 : البقرة .
( 2 ) - الآية 94 ، من السورة 6 : الأنعام .