يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ المَعَادَ مِنْهُ مَا هُوَ مَنْقُولٌ في الشَّرْعِ ، وَلَا سَبِيلَ لإثْبَاتِهِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ ؛ وَتَصْدِيقِ خَبَرِ النَّبِيّ ، وَهُوَ الذي لِلْبَدَنِ عِنْدَ البَعْثِ وَخَيْرَاتِ البَدَنِ وَسُرُورِهِ ، مَعْلُومَةٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعَلُّمٍ .
وَقَدْ بَسَطَتِ الشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ التي أتَانَا بِهَا نَبِيُّنَا وَسَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَالَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ التي بِحَسَبِ البَدَنِ .
وَمِنْهُ مَا هُوَ مُدْرَكٌ بِالعَقْلِ وَالقِيَاسِ البُرْهَانِيّ ، وَقَدْ صَدَّقَتْهُ النُّبُوَّةُ ، وَهُوَ السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ الثَّابِتَتَانِ بِالقِيَاسِ ، اللَّتَانِ لِلأنْفُسِ ، وَإنْ كَانَتْ الأوْهَامُ مِنَّا تَقْصُرُ عَنْ تَصَوُّرِهَا الآنَ لِمَا نُوضِحُ مِنَ العِلَلِ . « 1 »
وبناء على ما ذُكر فإنّ ابن سينا ليس من منكري المعاد الجسمانيّ ، بل إنّه أقرّ بثبوته عن طريق الشرع ، كما أنّه قبل بثبوت المعاد النفسانيّ من طريق البرهان والقياس وكذلك من طريق تصديق الشرع وأخبار النبوّة .
وتبعاً لذلك يقول المرحوم السبزواريّ : وأمّا الشيخ رئيس المشّائين فإنّه لم ينكر المعاد الجسمانيّ ، حاشاه عن ذلك ، إلّا أنّه لم يحقّقه بالبرهان كما يظهر لمن نظر في إلهيّات « الشفاء » . « 2 »
كلمات ابن سينا في المعاد النفساني
وأمّا بشأن المعاد النفسانيّ وسعادة النفوس وشقاوتها فقد بحث ذلك
هامش
( 1 ) - يقول الملّاصدرا : ومنها ( أي من جملة الموارد التي عجز ابن سينا عن إثباتها ) أنّه لمّا لم يظفر بإثبات تجرّد القوّة الخياليّة للإنسان ، صار متحيّراً في بقاء النفوس الساذجة الإنسانيّة بعد البدن ، فاضطرّ تارةً إلى القول ببطلانها ، كما في بعض رسائله المسمّى ب - « المجالس السبعة » . على أنّه معترف بأنّ الجوهر غير الجرميّ لا يبطل ببطلان الجسد .
وتارةً إلى القول بأنّها باقية من جهة إدراكها ببعض الأوّليّات والعموميات .
ثمّ يتصدّى الملّا صدرا بحزم للإجابة عليها . ( « الأسفار » ج 9 ، ص 115 ، الطبعة الحروفيّة ) .
( 2 ) - « المنظومة السبزواريّة » ص 335 ، طبعة ناصري .