إن الإنسان في الدنيا أسير حجاب الوهم ، يرى هذا العالم مرتبطاً بسلسلة علل وأسباب مستقلّة ، ويراه مفكّكاً مجزّءاً ، فهو يبحث عن أثر مستقلّ لكلّ جزء . وهذه الرؤية والمشاهدة هي التي أوجدت الظاهر مقابل الواقع ، كما أوجدت الوجه الخلقيّ مقابل الوجه الربّي .
علم الله وقدرته مشهودان للجميع يوم القيامة
أمّا لو زالت سلسلة الأسباب هذه ، وصار بطلانها مشهوداً للعيان ، وصار تأثير علّة العلل والإله الفرد الواحد مُشاهداً للموجودات جميعها كشعاع الشمس في المرايا المختلفة ، فسيكون الظاهر هناك عين الباطن ، وسيكون الغيب والشهادة هناك واحداً ، ولن يكون شيء مختفياً عن شيء .
إن الأفراد الذين يحضرون في الحشر يشاهدون أنّ الله تعالى مطّلع خبير بأحوالهم وأفعالهم ؛ وهو مطّلع وخبير هنا أيضاً ، بَيدَ أنّ هذا المعنى مبهم مستغلق لا يدركه جُلّ الناس ، وسيفهمونه ويدركونه هناك .
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا . « 1 »
يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ . « 2 »
ليس هناك من حجاب ، فالحجاب والستر متعلّقان بعالم الخيال والوهم ، والحجاب مرتبط بعالم وجه الخلق .
وعندما يضمحلّ جانب الوجه الخلقيّ وينقضي ، ويظهر جانب الوجه الإلهيّ والوجه الربّيّ للموجودات ويكون الإنسان في عالم مشرق بنور الله ، ذا علم واطّلاع على بواطن الأشياء ، فليس هناك عندئذٍ من شيء مخفيّ مستور .
فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . « 3 »
هامش
( 1 ) - صدر الآية 21 ، من السورة 14 : إبراهيم .
( 2 ) - النصف الأوّل من الآية 16 ، من السورة 40 : غافر .
( 3 ) - النصف الثاني من الآية 22 ، من السورة 50 : ق .