العلّة في عدم عفو الإمام المجتبى عن قاتل أمير المؤمنين
وأمّا علّة عدم عفو الإمام المجتبى فلعدم تناسبه مع الظروف التي كانت حاكمة في ذلك الوقت ، إذ كان العفو عن عبد الرحمن في تلك البُرهة ، مع مؤامرات معاوية وتمرّد أهل الكوفة على استمرار القتال ، ومع اضطراب دولة وحكومة الإسلام وزعزعتها بمثابة دليل على انكسار وضعف دولة الإمام المجتبى ، ولأجل ذلك فقد قدّم الإمام عليه السلام القصاص وفقاً للمصلحة العامّة للمسلمين .
وهكذا فقد كانت رغبة أمير المؤمنين عليه السلام في العفو قائمة على أساس كرم النفس والعفو الشخصيّ ، وكان قصاص الإمام المجتبى على أساس الصالح العامّ وحفظ دولة الإسلام .
لذا فقد كان عامّة المسلمين في مأتم وحزن لموت أمير المؤمنين عليه السلام وفقده ، فقد خسروا مثل هذا الإمام العادل المتحقّق بالحقّ . ولقد عمّت المصيبة مدينتي مكّة والمدينة وبيوتهما .
وكان الإمام الحسن قد قصّ على أبيه قبل أن يُضرب رؤيا موحشة ومروّعة ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : يَا بُنَي ! رَأيْتُ كأنَّ جبرئيل عَلَيهِ السَّلَامُ قَد نَزَلَ مِنَ السَّماءِ على جَبَلِ أبِي قُبَيس فتناولَ منه حَجرين ومضى بهما إلى الكعبةِ وتركهما على ظهرِها ، وضربَ أحدَهُما على الآخرِ فصارتْ كالرميم ، ثمّ ذَرَّهُمَا في الريحِ ، فما بَقِيَ بمكّةَ ولا بالمدينةِ بَيتٌ إلّا ودَخَلَهُ من ذلك الرمادِ .