تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
جهنم . . . وأما كلامه على الذكر فلأنه سبب التنفيس وتزكية النفس والانعتاق من القبض ، كما نادى يونس وهو في الظلمات :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
( الأنبياء ، 87 ) ، فنجاه من الغم وكذلك ينجي المؤمنين . ملاحظة : علاقة هذا الفص بلاحقه الأيوبي هي علاقة الموت بالحياة . فالموت عن صورة هو عين الحياة في صورة أخرى . . . فالحي والقابض متلازمان كتلازم المحيي والمميت في فصي يحيى وزكرياء . . . وقد تكرر اسم يونس واسم أيوب في القرآن بنفس العدد وهو أربع مرات . . . ولتلازم وتكامل هذين الفصين كرر الشيخ فيهما الآية :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
( هود ، 123 ) وهي الآية التي ذكرها أيضا في فصل ركن الماء اليحيوي من الباب 198 . فإليه تعالى يرجع الأمر كله إما بطريق الجلال والموت والنار اليونسي ، أو بطريق الجمال والحياة والهواء والنفس الأيوبي . . . لكن في كل جلال جمال وفي كل جمال جلال . فجمال أيوب بسط بعد قبض المرض وفقدان الأهل والمال ، وجلال يونس انتهى بجمال نجاته وسعادة قومه . وتقلب يونس وقومه بين القبض والبسط مناسب لمنزلة القلب من برج العقرب ، فما سمي القلب قلبا إلا من تقلبه والقلب مصدر النفس فحكمته نفسية .

المرتبة 17 : لفص حكمة وجودية في كلمة داودية من الاسمين المبين والمتين وسماء القمر وحرف الدال ومنزلة الإكليل

القابض هو الذي يجعل حدا معينا للمقبوض عليه . فبالقابض تتبين الحدود فتتميز المراتب إذ أن لكل مرتبة قيود تقبضها في حدودها لتتميز . أي أن الاسم القابض يستلزم ظهور الاسم المبين الذي به تتبين حقائق الأشياء متميزة عن بعضها البعض ، كما يستلزم ظهور الاسم المتين لأن الإبانة من مظاهر المتانة ، ولا معنى للقبض بدون متانة أي أن لا بقاء للمقبوض في القبضة إن لم يكن القابض متينا . فلهذا كان للمتين المرتبة 17 . وهو المتوجه على إيجاد السماء الدنيا وكوكبها القمر وفلكه وليلته ليلة الجمعة ونهار الاثنين وحرف الدال ومنزلة الإكليل . وقطب هذه السماء آدم عليه السلام . . وللسماء علاقة بالمتين إذ أنها سقف مرفوع يستلزم قوة ، قال تعالى :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ
( الذاريات ، 147 ) ، أي بقوة كقوله تعالى :
داوُدَ ذَا الْأَيْدِ
( ص ، 17 ) أي صاحب القوة . ولهذا فإن أنسب الأنبياء لهذه المرتبة هو داود عليه السلام صاحب الكلمة الوجودية .