ويمكن القول إن معاني الكلمات وخصائص الحروف المركبة لها هي المظهر الكيفي لتلك التجليات ، وأن القيم العددية الموافقة لها هي المظهر الكمي لها . فأما المظهر الكيفي فيستمد مدده من نور " المدبر " ، وأما المظهر الكمي فيستمد مادته من نور اسمه تعالى " المفصل " . قال تعالى :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
( الرعد ، 2 ) ومرجع الكيف إلى الأمر الواحد المذكور في الآية 50 من سورة القمر :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
. ومرجع الكم إلى تعدد الصور بتجدد الخلق كما في الآية 29 من سورة الرحمن :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
وفي الآية 15 من سورة ق :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
.
إن الحروف المركبة لكلمات الوجود هي عبارة عن المعلومات الإلهية ، أي الأعيان الثابتة في الآن الدائم حيث لا فرق بين الحرف وعدده الموافق ، إذ كل منهما مرآة للآخر في مظهري الكيف والكم . ثم إن هذه الحروف العاليات التي هي عين الكائنات تتنزل بالنفس الرحماني من حضرة الثبوت في العلم الإلهي إلى مختلف مستويات الظهور العيني في سلسلة مراتب الوجود .
وبناء على هذا ، فإن لعلم الحروف ثلاثة مستويات أساسية :
ففي مستواه الأعلى هو عين معرفة الأشياء كلها من حيث حقائقها الثابتة في العلم القديم المحيط .
وفي مستواه الأوسط هو معرفة تسلسل مراتب الظهور العيني الخلقي عبر دوائر الحكمة والقدرة .
وفي مستواه الأدنى هو معرفة خواص الأسماء والأعداد فيما هي معبرة عن طبائع الذوات ، وهي معرفة تمكن من التأثير بالخاصية في تلك الذوات والحوادث المتعلقة بها .
ومن هذا التطابق ، توجد في اللغات المقدسة التي تكلم بها الحق تعالى - وفي مقدمتها لغة الكتاب الجامع والنبي الخاتم أي العربية القرآنية - علاقة عضوية في غاية اللطافة والعمق والمتانة بين الاسم والمسمى من جهة ، وبين الحروف والكلمات وأعدادها من جهة ثانية ، ومن جهة أخرى بين معاني الكلمات ورمزية وخواص وطبائع الحروف المركبة لها ، إلى درجة أنه لا مطمع في إدراك ما يكمن في بواطنها من الحقائق دون اعتبار قيمها العددية وخواصها الطبيعية المرتبطة بطبائع الأفلاك ، ودلالاتها اللفظية من حيث النفس ، والرقمية من حيث الرسم والشكل ، والصورية من حيث الخيال .