فلهذا تعجب الشيخ رحمه اللّه من تضاد الطالبين لأنه خارج عن مقدور البشر ، ولكن لما كان الإنسان نسخة الوجود ، وأشرف كل موجود ، أودع فيه من أسرار حكمته ما يؤلف بين الضدين ، ويجمع بين الكفؤين قال تعالى :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
[ الرحمن : 19 ، 20 ] . فمن ظهر أثر البرزخية على جوارحه عمل أعمال الدنيا وأعمال الآخرة ، ومن ظهر أثر البرزخية على قلبه جمع بين آمال الآخرة ومشاهدة الحضرة ، وأشرق نورها عليه ، ومن ظهر أثر البرزخية على روحه جمع بين المشاهدة والمحبة ، ثم قال :
واعلم أن الأجسام تموت وتبعث وتنشر ، وكذلك النفوس والأرواح ، فأما موت الأجسام فهو عند الخروج من الدنيا وتبدل القصور بالقبور ، وأما موت النفوس فهي عند الخروج من الحظوظ وتبدلها بالحقوق ، وأما موت الأرواح فهو رجوعها لعالمها النوراني ، صفحة الملأ الأعلى على الهاجس النفساني ، فإذا لم يبق للنفس نظر إلا للّه ، ولا للروح تعلق إلا باللّه ، وفني من لم يكن ، وبقي من لم يزل انجمع الظاهر بالباطن ، والباطن بالظاهر ، وتعينت المشاهدة من كل وجهة ، وخوطب من سوى الحق بقوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ وحينئذ يهتف هاتف التجريد من مقام التفريد
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
فلم يجبه من عوالم البشرية والصور الأثرية مجيب ، فيجيب نفسه بنفسه
اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
انتهى . والمراد منه مختصرا : وإنما أمر اللّه تعالى بالطاعة والعزم عليها لأنها سبب الوصول إليه حسبما جعلها الحق تعالى حكمة وشريعة ، كما بين ذلك في المناجاة السابعة عشرة بقوله :
360 - إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار ، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك .
قلت : التردد في الآثار هو التردد بين إثباته ونفيه وهي حالة المستشرفين ، فإذا