تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
حسب المحب فناؤه عما سوى * محبوبه إن حاضر ومغيب
ثم إن عزم العبد على الطاعة ليس هو بيده حقيقة لكنه مأمور به شرعا ، وهو الذي نبه عليه في المناجاة السادسة عشرة بقوله :

359 - إلهي كيف أعزم وأنت القاهر ؟ أم كيف لا أعزم وأنت الآمر ؟ .

قلت : محبة الطاعة والعزم عليها والعمل بها ليس هو من قدرة العبد وفعله في الحقيقة ، وهو مأمور به من جهة الشريعة لتقوم الحجة وتظهر المحجة .
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : 149 ] ،
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ النساء : 40 ] . فمن نظر إلى الباطن وجد العبد مجبورا ، ومن نظر إلى الظاهر وجده غير معذور ، فالواجب على الإنسان وخصوصا العارف أن ينظر بعين الحقيقة لبواطن الأمور ، فيعذر الخلق لأنهم مجبورون في قوالب مختارين ، وينظر بعين الشريعة لظواهر الأمور ، فينفذ الحقوق ويقيم الحدود سترا لسر الربوبية ، وإظهارا لوظائف العبودية ، لكن ذلك بلطف ولين قلبه يحن عليه ، وظاهره يغلظ عليه كالعبد يؤدب ابن سيده ، وهذا مضمن هذه المناجاة أي كيف أعزم على الطاعة وأعقد عليها وأنت القاهر لي ، فلا طاقة لي على فعلها وأنت تقهرني عنها ، وهذه هي الحقيقة ، وكيف لا أعزم عليها وأنت الآمر لي بها ، فإن لم أعزم عليها عذبتني ، وهذه هي الشريعة ، فالواجب أن أعزم وأنظر ما تفعل ، فإن وفقتني للعمل ، فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة ، وإن لم توفقني ، فأنت أهل العفو والمعذرة ، وأنت الفاعل المختار ، فالأمر أمرك ، والعبيد عبيدك .
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
[ يونس : 99 ] ،
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
[ هود : 118 ] . قال الشطيبي رحمه اللّه : أراد المؤلف أن يدل المريدين على مقام الجمع بين الحقيقة والشريعة ؛ لأن عزم العبد مطلوب منه شريعة ، ونتيجته مسلوبة منه في الحقيقة ، ولا يثبت بينهما إلا من ثبته اللّه ،