بعد ظهور ضعفنا ؟ لطفت بنا ونحن للطف غير محتاجين ، أفتمنعنا منه عند احتياجنا إليه ، وأنت أرحم الراحمين ، أجريت علينا رفقك قبل أن تبرزنا إلى دارك ، أفتمتعنا منه بعد ظهورنا مع عظيم إبرارك ؟ ومن تفكر في عجائب صنع الإنسان ، وما خصه اللّه به من كمال الخلق والإتقان ، وما يلحقه من ضروب المنن والإحسان : وجد نفسه مغمورا في لطف مولاه ، مرفوقا به في أول منشئه ومنتهاه . قال بعض الحكماء : قد أدركت العقول مما أودع في الإنسان اثنتي عشرة ألف حكمة . وأما الذي لم تدركه العقول ، فلا يعلمه إلا اللّه هذا في خاصة نفسه ، وأما في غذائه وشرابه ولباسه وسائر لوازمه فأكثر من ذلك ، قال تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] ، وقال :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ
[ عبس : 24 ] الآية ، فسبحان من أعجزت العقول بدائع ألطافه ، وقصرت الأفكار عن عظيم أوصافه :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الأنعام : 103 ] ، ما أكثر لطائفه للمبتدئين ، وأوضحها للمستيقظين ، وأعظمها في جميع المخلوقين ، قد سرى لطفه في جميع الأكوان ، وأبهرت حكمته أفكار الإنس والجان ، وأنشدوا :
أحاط بتفصيل الدّقائق علمه * فأتقنها صنعا وأحكمها فعلا
فمن لطفه حفظ الجنين وصونه * بمستودع قد مرّ فيه وقد حلّا
تكنّفه باللطف في ظلماته * ولا مال يغنيه هناك ولا أهلا
ويأتيه رزق سابغ منه سائغ * يروح له طولا ويغدو له فضلا
وما هو يستدعي غذاء بقيمة * ولا هو ممن يحسن الشّرب والأكلا
جرى في مجاري عرقه بتلطف * بلا طلب جريا على قدره سهلا
وأجرى له في الثّدي لطف غذائه * شرابا هنيئا ما ألذّ وما أحلا
وألهمه مصّا بحكمة فاطر * تجلّى لأرباب العقول بما أولى
وأخّر خلق السّن عنه لوقتها * فأبرزها عونا وجاء بها طولا