وأجاب بعضهم بأنه إذا جاز لفوت الحياة الفانية فأولى أن يجوز لفوت الحياة الدائمة وهي المعرفة فتأمله ، وقصة لص الحمّام تشهد له ، واللّه تعالى أعلم .
ولقد سمعت شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول : الفقير الصديق : يقتل نفسه بأدنى شيء من المباح . والفقير الكذاب : يقع في المحرم ولا يقتلها وكان كثيرا ما ينهى عن الأحوال الظلمانية ، ويقول : عندنا من المباح ما يغنينا عن المحرم والمكروه وأما السؤال فإنما هو مكروه أو حرام لقصد قوت الأشباح مع الكفاية أما لقصد قوت الأرواح فليس بحرام وقد ذكر القسطلاني في « شرح البخاري » ، عن ابن العربي الفقيه أنه قال : واجب على الفقير في بدايته فانظره ، وقد ذكره في « المباحث الأصلية » مستوفى فانظره . وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه عند قوله : لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق الخ . فإن قلت : هذا الخراب الذي ذكرت فيه شهرة أيضا إذ الخمول هو الخفاء عن أعين الناس ، وهذا فيه ظهور كبير . قلت : الخمول هو إسقاط المنزلة عند الناس ، وكتمان سر الولاية وكل ما يسقط المنزلة عندهم وينفي تهمة الولاية فهو خمول ، وإن كان في الحس ظهورا ولذلك كان شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول : طريقتنا منها الخمول في الظهور والظهور في الخمول . وقال النجيبي في « الإنالة » ما نصه : ومن يقل من الصوفية إن المرقعة شهرة فجوابه أن سلمان الفارسي سافر في زيارة أبي الدرداء من العراق إلى الشام راجلا وعليه كساء غليظ غير مضموم فقيل له : أشهرت نفسك فقال : الخير خير الآخرة وإنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد فإذا أعتقت لبست حلة لا تبلى حواشيها انتهى . ومن ذلك قصة الغزالي رضي اللّه تعالى عنه من حمله جلد الثور على ظهره عند « 1 » ملاقاة شيخه الخراز وكنسه السوق واستعماله القربة ليسقي الناس كذا سمعتها من الشيخ مرارا ولم أقف عليها عند أحد ممن عرف به ، وانظر ما جرى له مع ابن العربي عند قوله : رب عمر
هامش
( 1 ) في المطبوع : حين .