الباب التاسع والعشرون
ثم ذكر الرسالة الثالثة في الفرح بالمنن بعد أن قدم الفرح باللّه ، فقال : وقال رضي اللّه تعالى عنه مما كتب به لبعض إخوانه :
318 - الناس في ورود المنن عليهم على ثلاثة أقسام .
يعني عوام وخواص وخواص الخواص . ثم ذكر مقام العوام فقال :
319 - فرح بالمنن لا من حيث مبدئها ومنشئها : ولكن بوجود متعته فيها .
قلت : وهذا كالبهيمة ليس شأنه وهمه إلا نفسه وحسه ، وللّه در ابن البنا حيث قال :
واعلم بأن عصبة الجهال * بهائم في صورة الرجال
ثم ذكر حكمه فقال :
320 - فهذا من الغافلين .
لأنها أي : النعم إذا أقبلت عليه اشتغل بها عن ذكر معطيها تلذذا وترفها ، وإذا أدبرت اشتغل فكره بطلبها والحرص عليها ، وإذا نالها شغلته متعتها عن شكرها ، فيكون ذلك سببا في زوالها . قال تعالى :
وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
[ إبراهيم : 7 ] ، وربما يصدق عليه قوله تعالى :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ الأنعام : 44 ] ، فالآية وإن نزلت في الكفار فحكمها عام ، فكل من اشتغل بنعم الدنيا وزخارفها عن ذكر اللّه وما طلب منه يصدق عليه أنه فرح بما أوتى ، فبينما هو منهمك في غفلته مستغرق في شهوته أخذه الموت بغتة ، فإذا هو مبلس أي : آيس من الرجوع إليها ومن الانتفاع بها ، وقد تؤخذ منه قبل موته فتشتد حسرته عليها ، وقد تقدم : من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرف بفقدانها . ثم ذكر القسم