لكن لا ينبغي للعبد أن يغلب النظر إلى جانب الذنب ، فيقل رجاؤه ويسيء الظن بسيده ، كما أشار إليه بقوله :
49 - لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن باللّه « 1 » .
قلت : الناس في الخوف والرجاء على ثلاثة أقسام : أهل البداية : ينبغي لهم تغليب جانب الخوف ، وأهل الوسط : ينبغي لهم أن يعتدل خوفهم ورجاؤهم ، وأهل النهاية : يغلبون جانب الرجاء . أما أهل البداية : فلأنهم إذا غلّبوا جانب الخوف جدوا في العمل وانكفوا عن الزلل ، فبذلك تشرق نهايتهم ،
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] . وأما أهل الوسط : فلأنهم قد انتقلت عبادتهم إلى تصفية بواطنهم فعبادتهم قلبية ، فلو غلّبوا جانب الخوف لرجعوا إلى عبادة الجوارح ، والمطلوب منهم عبادة البواطن على رجاء الوصول وخوف القطيعة فيعتدل خوفهم ورجاؤهم . وأما الواصلون فلا يرون لأنفسهم فعلا ولا تركا فهم ينظرون إلى تصريف الحق وما يجري به سابق القدر ، فيتلقونه بالقبول والرضا ، فإن كان طاعة شكروا وشهدوا منة اللّه ، وإن كان معصية اعتذروا وتأدبوا ولم يقفوا مع أنفسهم ، إذ لا وجود لها عندهم وإنما ينظرون إلى ما يبرز من عنصر القدرة ، فنظرهم إلى حمله وعفوه وإحسانه وبره ، أكثر من نظرهم إلى بطشه وقهره ، ويرحم اللّه الشافعي حيث قال :
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربّي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا جود وفضل ومنّة * تجود وتعفو منّة وتكرّما
فيا ليت شعري هل أصير لجنّة * أهنّا وإمّا للسّعير فأندما
هامش
( 1 ) هذه الحكمة وما يليها وحدة واحدة .