الدركات ، وها هنا يسكت اللسان ، وينتقل الذكر للجنان فيصير ذكر اللسان غفلة في حق أهل هذا المقام ، كما قال الشاعر :
ما إن ذكرتك إلا همّ يلعنني * سرّي وقلبي وروحي عند ذكراك
حتّى كأنّ رقيبا منك يهتف بي * إيّاك ويحك والتّذكار إيّاك
أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده * وواصل الكلّ من معناه معناك
وقال الواسطي مشيرا إلى هذا المقام : الذاكرون في ذكره أكثر غفلة من الناسين لذكره لأن ذكره سواه انتهى . يعني أن الذاكرين اللّه بالقلوب هم في حال ذكرهم للّه بلسانهم أكثر غفلة من التاركين لذكره لأن ذكره باللسان وتكلفه يقتضي وجود النفس ، وهو شرك والشرك أقبح من الغفلة ، وهذا معنى قوله : لأن ذكره سواه أي لأن ذكر اللسان يقتضي استقلال الذاكر والفرض أن الذاكر محو في مقام العيان .
قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : حقيقة الذكر الانقطاع عن الذكر إلى المذكور ، وعن كل شيء سواه لقوله :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
[ المزمل : 8 ] . وقال القشيري رضي اللّه تعالى عنه : الذكر اندراج الذاكر في مذكوره واستظلام السر عند ظهوره . وفي معني ذلك أنشدوا :
ذكرتك لا أنّي نسيتك لمحة * وأيسر ما في الذكر ذكر لساني
وصرت بلا وجد أهيم من الهوى * وهام عليّ القلب بالخفقان
فلمّا أراني الوجد أنّك حاضري * شهدتك موجودا بكلّ مكان
فخاطبت موجودا بغير تكلّم * وشاهدت موجودا بغير عيان
وفي هذا المقام يتحقق المريد بعبادة الفكرة أو النظرة ، وفكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة .