فحاله حال حمار الساقية في السير دائم ، وهو في موضعه قائم يظن أنه قطع مسافة مما طلب ، وما زاد إلا نقصا مع تعب . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه :
قف بباب واحد لا لتفتح لك الأبواب ، تفتح لك الأبواب ، واخضع لسيد واحد لا لتخضع لك الرقاب فتخضع لك الرقاب ، قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
[ الحجر : 21 ] أ . ه . فينبغي لك أيها المريد أن ترفع همتك إلى الملك المجيد ، فترحل من رؤية الأكوان إلى طلب شهود الملك الديان ، أو ترحل من الدليل والبرهان إلى رتبة الشهود والعيان ، وهو غاية القصد وبلوغ المنتهى ،
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] ، ولا ترحل من كون إلى كون ، بان تترك حظا من حظوظ نفسك طلبا لحظّ آخر فتكون كحمار الرحى الذي سار منه هو الذي عاد إليه ، وتشبيهه بالحمار دليل على بلادته وقلة فهمه ، إذ لو فهم عن اللّه لرحل عن حظوظ نفسه وهواه قاصدا الوصول إلى حضرة مولاه ، فلا ترحل أيها المريد من كون مخلوق إلى كون مخلوق مثلك ، ولكن ارحل من الكون إلى المكوّن ،
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] ، والرحيل إلى المكون يكون بثلاثة أمور :
الأول : قصر همتك عليه دون ما سواه حتى يطّلع على قلبك فلا يجده محبّا لسواه .
الثاني : الرجعى إليه بإقامة الحقوق والفرار من الحظوظ .
الثالث : دوام اللجأ إليه ، والاستعانة به ، والتوكل عليه ، والاستسلام لما يورده عليك .
قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : أربعة من كن فيه احتاج الخلق إليه وهو غني عن كل شيء : المحبة للّه ، والغنى باللّه ، والصدق ، واليقين ، الصدق في العبودية ، واليقين في أحكام الربوبية .
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
[ المائدة : 50 ] . قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه
ثم استدل على طلب رفع الهمة إلى اللّه مع الإعراض عما سواه بحديث الهجرة الذي في الصحيح فقال :