41 - العجب كلّ العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له منه ، ويطلب ما لا بقاء له معه ، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] .
قلت : ما لا انفكاك منه هو الحق تعالى وقضاؤه وقدره ، وما لا بقاء له هو الدنيا أو ما تدبره النفس وتقدره . فمن أعجب العجائب : أن يفر العبد من مولاه ويتوجه بالطلب لما سواه مع أنه لا انفكاك له منه ولا محيد له عنه ، إذ لا وجود له إلا منه ولا قيام له إلا به ، فكيف يهرب منه بترك طلب معرفته ، والتقرب إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه ، ويطلب ما لا بقاء له من حظوظ الدنيا الفانية التي إن لم تزل عنها في الحياة زالت عنك بالممات ، فاطلب ما يبقى دون ما يفنى ، وللّه در القائل :
هب الدّنيا تساق إليك عفوا * أليس مصير ذاك إلى زوال
وما دنياك إلا مثل ظلّ * أظلّك ثم آذن بارتحال « 1 »
أو تقول : من العجب كل العجب أن يهرب العبد مما لا انفكاك له عن قدر اللّه وقضائه ، ويطلب ما لا بقاء له من حظوظ تدبيره واختياره ، إذ كل ما تدبره وتبرمه فسخه القضاء وهدمه :
متى يبلغ البنيان يوما تمامه * إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
وانظر هل فيك بقية من الالتفات إلى ما هاجرت منه ، أو فيك حظ سوى ما هاجرت إليه من رضوان اللّه ورسوله أو معرفة اللّه ورسوله ؟ فإن اللّه غيور لا يحب لمن طلبه أن يطلب معه سواه ولن يوصل إليه من بقي فيه بقية من حظه وهواه . وهذا كله من عدم فتح البصيرة أو عماها ، ولذلك قال :
فَإِنَّها لا
هامش
( 1 ) الحديث هو : « مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها » هذا الحديث رواه البزار في مسنده ( 4 / 338 ) .