الباب الخامس
ولما كان السفر لا بد فيه من دليل وإلا ضل عن سواء السبيل افتتح الباب الخامس بذكر الصحبة وشروط المصحوب وآدابها فقال :
43 - لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلّك على اللّه مقاله .
قلت : الذي ينهضك حاله هو الذي إذا رأيته ذكرت اللّه ، فقد كنت في حال الغفلة فلما رأيته نهض حالك إلى اليقظة ، أو كنت في حالة الرغبة فلما رأيته نهض حالك إلى الزهد ، أو كنت في حالة الاشتغال بالمعصية فلما رأيته نهض حالك إلى التوبة ، أو كنت في حالة الجهل بمولاك فنهضت إلى معرفة من تولاك وهكذا ، والذي يدلك على اللّه مقاله هو الذي يتكلم باللّه ، ويدل على اللّه ويغيب عما سواه ، إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب ، وإذا سكت أنهضك حاله إلى علّام الغيوب ، فحاله يصدق مقاله ومقاله موافق لعلمه ، فصحبة مثل هذا إكسير يقلب الأعيان ، وهو مفهوم من قول الشيخ : لا تصحب من لا ينهضك حاله إلخ . أي بل اصحب من ينهضك حاله ، ويدلك على اللّه مقاله والصحبة في طريق التصوف أمر كبير في السير إلى اللّه تعالى حسبما جرت به عادة اللّه تعالى وحكمته حتى قال بعضهم : من لا شيخ له فالشيطان شيخه . وقال آخر :
الإنسان كالشجرة النابتة في الخلاء ، فإن لم تقطع وتلقم كانت دكارة . وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : كل من لا شيخ له في هذا الشأن لا يفرح به ، ومن شروط الشيخ أربعة : علم صحيح ، وذوق صريح ، وهمة عالية ، وحالة مرضية . فالعلم الصحيح هو ما يتقن به فرضه ، ولا بد أن يكون عالما بالمقامات والمنازل التي يقطعها المريد وبغرور النفس ومكائدها ، قد سلك ذلك على يد شيخ كامل ، وذاق ذلك ذوقا لا تقليدا ، وهو المراد بالذوق الصريح ، والهمة العالية هي المتعلقة باللّه دون ما سواه ، والحالة المرضية هي الاستقامة بقدر