حسي لكان لوجوده حاصرا إذ محال أن يستره من جميع الوجوه ولا يحصره ، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر ، كيف ، واللّه تعالى يقول :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الأنعام : 18 ] ، أي لأنهم في قبضته ، وتحت تصريف قدرته ، وتخصيص إرادته ومشيئته ، والفوقية عبارة عن رفعة الجلال والمكانة لا المكان كما يقال :
السلطان فوق الوزير ، والسيد فوق عبده والمالك فوق المملوك وغير ذلك ، مما يثبت الكبرياء وينفي سمات الحدوث ، واللّه تعالى أعلم .
ولما كان حجاب الروح عن المعرفة أمرا وهميّا عدميّا لا حقيقة له ، وهو مرضها بأوصاف البشرية ، فلو صحت لعرفت أشار إلى ذلك بقوله :
34 - اخرج من أوصاف بشريّتك عن كلّ وصف مناقض لعبوديّتك ، لتكون لنداء الحقّ مجيبا ، ومن حضرته قريبا .
قلت : أوصاف البشرية : هي الأخلاق التي تناقض خلوص العبودية ، ومرجعها إلى أمرين : الأول : تعلق القلب بأخلاق البهائم وهي شهوة البطن والفرج وما يتبعهما من حب الدنيا وشهواتها الفانية قال اللّه تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[ آل عمران : 14 ] .
الثاني : تخلّقه بأخلاق الشياطين كالكبر والحسد والحقد والغضب والحدة وهي القلق ، والبطر وهو خفة العقل ، والأشر وهو التكبر ، وحب الجاه والرياسة والمدح والقسوة والعطاء والفظاظة والغلظة ، وتعظيم الأغنياء ، واحتقار الفقراء ، وكخوف الفقر وهم الرزق والبخل والشح والرياء والعجب ، وغير ذلك مما لا يحصى حتى قال بعضهم : للنفس من النقائص ما للّه من الكمالات .
وقد ألف الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي كتابا في عيوب النفس وأدويتها ، ونظمه الشيخ زروق في نحو ثمانمائة بيت .