الباب الثالث
ثم افتتح الباب الثالث بذكر التخلية والتحلية فقال رضي اللّه تعالى عنه :
32 - تشوّفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوّفك إلى ما حجب عنك من الغيوب .
التشوف إلى الشيء : الاهتمام به ، والتطلع له .
قلت : تشوفك أيها الإنسان إلى ما بطن فيك من العيوب كالحسد والكبر وحب الجاه والرياسة ، وهمّ الرزق وخوف الفقر ، وطلب الخصوصية وغير ذلك من العيوب ، والبحث عنها ، والسعي في التخلص منها أفضل من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب ، كالاطلاع على أسرار العباد وما يأتي به القدر من الوقائع المستقبلة ، وكالاطلاع على أسرار غوامض التوحيد قبل الأهلية له ، لأن تشوفك إلى ما بطن من العيوب سبب في حياة قلبك ، وحياة قلبك سبب في الحياة الدائمة والنعيم المقيم ، والاطلاع على الغيوب إنما هو فضول ، وقد يكون سببا في هلاك النفس كاتصافها بالكبر ورؤية المزية على الناس . وسيأتي للشيخ « من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه وسببا يجر الوبال إليه » . اعلم أن العيوب ثلاثة : عيوب النفس ، وعيوب القلب ، وعيوب الروح . فعيوب النفس : تعلقها بالشهوات الجسمانية كطيب المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن والمناكح وشبه ذلك . وعيوب القلب :
تعلقه بالشهوات القلبية كحب الجاه والرياسة والعز والكبر والحسد والحقد وحب المنزلة والخصوصية وشبه ذلك مما يأتي إن شاء اللّه في أوصاف البشرية .
وعيوب الروح : تعلقها بالحظوظ الباطنية كطلب الكرامات والمقامات والقصور والحور وغير ذلك من الحرف . فتشوف المريد إلى شيء من ذلك كله قادح في عبوديته مانع له من القيام بحقوق ربوبيته ، فاشتغاله بالبحث عن عيوبه