بلا شعور منه بأنه حاضر ، ولا أنه غير حاضر ، بل يكون غائبا عن حضوره ذلك ( بوجود الحق عز وجل ) ، فالموجود عنده الحاضر هو اللّه تعالى وحده ، وهو نفسه « 1 » غير موجود وكذلك غيره من جميع الأشياء - حتى حضوره ذلك غير موجود عنده أيضا ؛ وهذه هي العبودية الصرفة المحضة الخالصة للّه تعالى .
وحيث قلنا إن الموجود عنده الحاضر هو اللّه تعالى ، وكل ما سوى اللّه تعالى معدوم حتى نفسه وشهوده ذلك أيضا ، فليس المراد أنه لا يرى شيئا ولا يدرك شيئا مما تراه وتدركه أهل الغفلة من جميع العوالم ، بل المراد أن اللّه تعالى الموجود الحاضر وحده تعالى لا شيء معه عند هذا العبد .
[ و ] « 2 » له مرتبتان : مرتبة الظهور ومرتبة البطون . والمميز بين هاتين المرتبتين هو جميع هذه العوالم . فإذا وجدت العوالم عند هذا العبد لم توجد هي وإنما هي ظهور اللّه تعالى في أطوار صفاته وأسمائه ؛ وإذا خفيت هذه العوالم عنده فإنما هي بطون اللّه تعالى في مرتبة ظهوره لا رأى الشيء ، والظاهر هو اللّه تعالى لا ذلك الشيء ، لأن اللّه تعالى قال :
( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )
« 3 » ، والهالك لا يرى لأنه عدم صرف .
وللصوفية في معنى العبودية كلام كثير ؛ قال ذو النون رضي اللّه عنه : العبودية أن تكون عبده في كل حال كما أنه ربك في كل حال .
وقال أبو حفص « 4 » : العبودية زينة العبد فمن تركها تعطل من الزينة .
هامش
( 1 ) الضمير في هو نفسه وبقية الجملة يعود على العبد .
( 2 ) زيادة اقتضاها السياق والضمير في « له » يعود على اللّه تعالى .
( 3 ) سورة القصص آية : 88 .
( 4 ) أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد من قرية يقال لها كورداباذ على باب مدينة نيسابور ، على طريق بخارى .
كان أحد الأئمة والسادة . مات سنة نيّف وستين ومائتين . قاله الإمام القشيري في الرسالة ص 16 . وقد ورد في ( ج ) هنا عبارة ( وفي نسخة : أبو جعفر ) والظاهر أنه تدخل من النسخ لدى مقابلة نسخ الكتاب وما أثبتناه موافق لما في القشيرية .