المصباح في زجاجة وهي مثل الروح الأعظم . والمصباح « 1 » مثال العقل الأول الذي هو أول مخلوق كما سنذكره . وهو الذي يثبت هذا الوجود الثاني الحادث ، ويصف به الأشياء ، وذلك بإضافتها إلى الوجود الأول القديم .
( الزّجاجة ) : كأنها كوكب درى كالشمس والقمر ونحوهما في الإشراق وإنارة الدنيا بذلك .
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
وهي مثال الذات العلية الوجود الحق لا ظاهرة شرقية ؛ لأن الظاهر هو الحوادث القائمة لها ولا باطنة غربية ؛ لأن الظاهر هو الحق لا غيره ، وما سواه عدم محض في نفسه ، إلى أن قال سبحانه مشيرا إلى أن ظهوره وتجليه بالأشياء هو النور الثاني الأسفل بالنسبة إلى النور الأول الأعلى في قوله تعالى :
( نُورٌ عَلى نُورٍ ) .
ثم قال :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
يعني : يهدى بالنور الثاني إلى النور الأول من يشاء من عباده . وقال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 2 » ؛ وهو عين الرحمة التي وسعت كل شيء في قوله تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
« 3 » فلا شك أن
هامش
( 1 ) قال أبي بن كعب : المصباح : النور ، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره ، وقال السدي : هو السراج و ( المصباح في زجاجة ) ، أي هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية . وقال أبي بن كعب وغير واحد : وهي نظيرة قلب المؤمن ( الزّجاجة كأنّها كوكب درّيّ ) كوكب مضيء ، وقال قتادة : مضيء مبين ضخم .
وقرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة من الدر ، أي : كأنها كوكب من در ، وقرأ آخرون درئ ، ودرئ - بكسر الدال وضمها مع الهمزة ، من الدرء ، وهو الرفع ، وذلك أن النجم إذا رمى به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال . انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 299 ) .
( 2 ) سورة الأنبياء : 107 .
( 3 ) سورة الأعراف : 156 . آية عظيمة الشمول والعموم كقوله تعالى إخبارا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون :رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً. وروى الإمام أحمد بسنده عن سلمان عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : " إن اللّه عز وجلّ خلق مائة رحمة ، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة " .
تفسير ابن كثير ( 2 / 256 ) .