وهذا الوجود الثاني الذي سميناه حادثا باعتبار اتصاف الحوادث به عند العقل بغلبة الوهم هو نور محمد صلى اللّه عليه وسلم « 1 » الذي خلق اللّه تعالى منه كل شيء كما ورد في الحديث . وقال تعالى :
وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا
« 2 » . ، وقال تعالى :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 3 » أي ما الوجود الذي قامت به السماوات والأرض . وقال تعالى :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
« 4 » . وقال تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 5 » ؛ أي : وجودهما الذي أنارهما ، أي أظهرهما ، فكان هو الظاهر بهما ثم ضرب له مثلا فقال :
مَثَلُ نُورِهِ
« 6 » . أي وجوده الذي هو نورهما : أي وجودهما كمشكاة أي كوة غير نافذة ؛ لأنها تجمع النور مع زيادة إشراقها به فيها مصباح أي فتيلة مشتعلة ، مثال لتجليه وظهوره .
هامش
( 1 ) يقصد به حديثا فيه كلام كثير في خلق الكون من نور النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد اتفق علماء الحديث على ضعفه .
( 2 ) سورة التغابن ( 8 ) .
( 3 ) سورة يونس ( 101 ) .
( 4 ) سورة الأنعام ( 3 ) .
( 5 ) سورة النور ( 35 ) . قال ابن عباس : هادي أهل السماوات والأرض ، وعنه : يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما ، وعن أنس بن مالك قال : إن اللّه يقول نوري هدى واختار هذا القول ابن جرير .
وعن أبي بن كعب : هو المؤمن الذي جعل اللّه الإيمان والقرآن في صدره فضرب اللّه مثله فقال :
اللّه نور السّماوات والأرض فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال : مثل نور من آمن به .
وعن ابن مسعود قال : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه . تفسير ابن كثير ( 3 / 280 ) .
( 6 ) سورة النور ( 35 ) . في هذا الضمير قولان : أحدهما أنه عائد على اللّه عز وجلّ . أي مثل هداه في قلب المؤمن . قاله ابن عباس كمشكاة . والثاني : أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام المطابق لما هو مفطور عليه كما قال اللّه تعالى :أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. فشبه قلب المؤمن في صفاته في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستمد به من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف . والمشكاة : كوة في البيت . قال : وهو مثل ضربه اللّه لطاعته فسمى اللّه طاعته نورا ثم سماها أنواعا شتى . . . إلى آخره . تفسير ابن كثير ( 3 / 280 ) .