كأنّ الوجود الخلق صار محقّقا * وأمّا الوجود الحقّ فهو خيال
خيال لديهم ظاهر في نفوسهم * لهم غائب عنهم وذاك مخال
فهم يعبدون اللّه فيما تخيّلوا * وقد بان في كلّ العقول عقال
وإنّ الوجود الحقّ صار مقيّدا * لديهم بأشيا تنمحي وتزال
فمن أجل هذا أنكروه وقد بدا * وغاب وهامت في هواه رجال
به شغلوا عنه وآثار صنعه * تقادير حالت دونه وظلال
فلا هم مع الأقوام فيما تحقّقوا * ولا هم على تحقيقهم فيخال
وجهل على جهل فجهل مركب * وليس لهم في دفع ذاك مجال
وقال رضي اللّه عنه :
ربّنا اللّه ذلك المتعالي * عن جميع الأشباه والأمثال
عزّ في ملكه وجلّ فصارت * عنه معقولة عقول الرجال
لا بذكر يدرونه أو بفكر * أو بوهم ولا خطور ببال
فهو غيب كلّ الورى سبّحته * بتصاويرها وبالأشكال
وهو مع ذلك التنزّه بادي * يتجلّى بسافل وبعالي
وقريب للشيء من كلّ شيء * وبعيد بعزّة وجلال
حركات الجميع مع سكنات * كلّها منه عنه في كلّ حال
ما لشيء سواه تأثير فعل * أبدا غير نسبة الأفعال
عرفته به أولو العلم منّا * بعد محو النفوس باضمحلال
حيث لم يتركوا لهم فيه دعوى * أثر من تحرّك أو مقال
وله أسلموا به فرأوه * فاعلا عين فعلهم بالتوالي
ولهم محض نسبة الفعل أبقى * للعبوديّة التي للكمال
كلّفتهم أحكامه أن يروها * فهي منهم له على الإجمال
ظاهر عندهم بهم وهو عنهم * باطن غائب بغير زوال
فهو من حيث ذاته في خفاء * وهو من حيث وصفه في تلالي
واتصال لهم به حيث عنه * وجدوا ثمّ هم به في انفصال
وقال رضي اللّه عنه :
إن ترم أن تعرف الأحوال * والذي فيه أنا في الحال
والذي أشهده منّي * دائما في الحلّ والترحال