وهم في العمى عنه فلا يبصرونه * وهل تشبه الثيران فيه سباعه « 1 »
وسامح ولا تعتب فحرمانهم كفى * بهم غضبا منه فصاروا رعاعه « 2 »
وما في يديهم غير دعوى وعندهم * سراب شراب لا يزالون قاعه
رأوه فتاهوا فيه واندهشوا به * وكلّ يعاني ودّه وسواعه
ولو شاء أبدى في فناهم وجوده * وأسمعهم بالنفخ فيهم يراعه
وإلا فبالتسليم للحقّ من ذوي * درايته فازوا فنالوا استماعه
ولكنّه عن كلّ ما هو فاعل * فليس بمسؤول لترجو دفاعه
فمن شاء أعطاه على رغم غيره * ومن شاء بالحرمان أبدى امتناعه
وقال رضي اللّه عنه :
كلّ مصنوع بمن قد صنعه * ليس يدري حطه أو رفعه
واذكروا لي فرد مصنوع له * صانع يعرف من قد صنعه
مع أنّ الصانع المخلوق مع * كلّ مصنوع حدوث جمعه
فقديم صانع مصنوعه * حادث كيف يعاني طمعه
يرتجي يعرفه وهو له * خالق عن دركه قد ردعه
إنّ هذا الكون مصنوع له * يعرف اللّه وإن كان معه
ذلك اللّه الذي قد صنع ال * عبد مع أفعاله وابتدعه
والدي في علمنا مع علمنا * صنعة اللّه لضيق وسعه
وجميع الكون من صنعته * وابتدأ كلّ فتى واخترعه
والذي نعرف منه أنّه * صانع نفسا به منطبعه
والذي نعرفه خلق له * ظاهر فينا كما قد أودعه
كلّنا خلق جديد دائما * مثل قول اللّه كن مستمعه
كلّ عبد إن أراه فيرى * وإذا أسمعه قد سمعه
لا تقل أنزل فينا علمه * علمه فينا بحال وضعه
وهو حقّ وسواه باطل * لا يساوي الحقّ فاترك بدعه
هامش
( 1 ) الثيران : ( ج ) الثور : الذّكر من البقر . السّباع : ( ج ) السبع : كل ما له ناب ويغدو على الناس والدواب فيفترسها ، كالأسد والذئب والنمر .
( 2 ) الرّعاع من الناس : غوغاؤهم وسفلتهم وأخلاطهم .