( ثم ) الحادية والعشرون ( حكمة مالكية ) منسوبة إلى المالك وهو الحق تعالى ، لأنه المتصرف في جميع العالم ، وتصرفه نافذ على كل حال ، والمالك على قسمين :
مالك مطلق وهو الحق تعالى ، ومالك مقيد وهو العبد ، والقيد من جملة ذلك الإطلاق . فالمالك المطلق مستول على كل شيء والمالك المقيد ظهور استيلاء ذلك المالك المطلق على شيء من تلك الأشياء فالمالك المقيد داخل في المالك المطلق مندرج تحته ، ولما كان الحق تعالى ظاهرا في الدنيا بكل مالك مقيد كان باطنا عن أهل الدنيا فقال تعالى :
وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
[ الحديد : 7 ] ، يعني من حيث قيودكم ، وأما في الآخرة فينعزل كل مالك عن ملكه ، ويظهر المالك المطلق كما قال تعالى :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
( 56 ) [ الحج : 56 ] ، وقال :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
( 4 ) [ الفاتحة : 4 ] ، وقال :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
ثم أجاب نفسه بنفسه فقال :
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] إذ لا غيره في الحقيقة ، وإن كان الجواب من جهة قيد من قيوده ، إذ القيود كلها فانية بالنسبة إلى ذاته تعالى كما قال سبحانه
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن :
26 ] .
( في كلمة ) من كلمات اللّه التامّات ( زكرياوية ) منسوب إلى زكريا عليه السلام .
( ثم ) الثانية والعشرون : ( حكمة إيناسية ) منسوبة إلى الإيناس وهو خلاف الإيحاش . والأنس بالشيء كمال ظهور الحق تعالى به ، كما أن الوحشة من الشيء عدم كمال الظهور المذكور ، وهذا الظهور للأرواح لا النفوس ، فإن النفوس قد تجهله فتجحده ، والأرواح عالمة به على كل حال لأنها من عالم التقديس ، والنفوس من عالم التدليس والتدنيس ، وأصل الأنس في العالم من حضرة الجمال الإلهي التي خرجت منها الأرواح ، وأصل الوحشة في العالم من حضرة الجلال الإلهي التي خرجت منها الأجسام ، فأنس الأرواح يزيل وحشة الأجسام إذا اجتمعتا ، ولهذا إذا فارقت الروح عن الجسم لا يبقى فيه أنس البتة ، فالإنسان مشتق من الأنس لغلبة العالم الروحاني على العالم الجسماني ، فبالإنسان زالت الوحشة عن عالم الأجسام ، وغير الإنسان مما لم تغلب فيه الروحانية على الجسمانية حيوان ، والحيوان أنواع باعتبار الفصول التي تميزه عن الجنس ، وهو الوحوش التي قال تعالى :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
[ التكوير : 5 ] مشتقة من الوحشة لغلبة الجسمانية على الروحانية ( في كلمة ) من كلمات اللّه التامّات ( إلياسية ) منسوبة إلى إلياس عليه السلام .
( ثم ) الثالثة والعشرون : ( حكمة إحسانية ) منسوبة إلى الإحسان وهو كما قال