كيف أقطع رجائي عنك وأنت أنت » أي هذا الحكم ينبغي لك ولا يشركك فيه أحد غيرك ، لأنّك أنت القائم بذاته القيّوم لما سواه ، فلأيّ شيء لا أدعوك وكيف يسعني أن أقطع رجائي عنك والكلّ منك وبك ولك وإليك .
وممّا قلنا يتصحّح أيضا سرّ ما نقل عن جبرئيل عليه السّلام في ابتداء خلقه حيث سأله اللّه أكثر من مرّة « من أنا ومن أنت ؟ » ويجيب كلّ مرّة مخاطبا للّه بقوله : « أنت أنت وأنا أنا » فيحترق بسطوات الكبرياء ويسقط من سماء القرب أبعد ممّا بين هذه الأرض وتلك السماء إلى أن ظهر مغيث النفوس والأرواح في عالم الأنوار والأشباح ، مولى الكونين وإمام الثقلين ، مولانا عليّ عليه السّلام ، فعلّمه بأن يقول في الجواب أنت الملك الجليل وأنا العبد الذليل جبرئيل .
فلمّا قال ذلك تخلّص من الاحتراق بنار البعد والفراق . فاحتفظ بذلك التحقيق فإنّه من شرب « 1 » رحيق .
المطلب الثّاني في تطبيق الجواب على الأسئلة المذكورة وإخراج المقاصد منه بأوضح طريقة
اعلم أنّ رأس الجالوت سأل عن الرؤوس الخمسة التي هي أوائل الموجودات وأصول العوالم والماهيّات . وأجاب الإمام عليه السّلام ببيان لمّيّة الإيجاد وسرّ الصدور على نحو الرشاد بحيث يظهر علّة وحدة الصّادر الأوّل مع كثرته وهو الذي صدّره السائل في كلامه حيث قال : « ما الواحد المتكثر ؟ » أمّا ظهور وحدته فلكونه صادرا عن الواحد المحض ؛ وأمّا كثرة ما فيه فلدلالة كلمة « نحن » على ذلك كما لا يخفى .
وأجمل عليه السّلام في الجواب عن الأربعة الآخر ، لما علم عليه السّلام أنّ السائل إذا عرف أنّه - صلوات اللّه عليه - أجاب بما فوق مسئوله ، بل فوق ما أحاط به مأموله من بيان هذا السرّ بذلك الإيجاز المرموز ؛ فمن ذلك يمكنه التفطن بأنّه عليه السّلام أعلم بهذه الحقائق منه بل انتشرت هذه الأسرار منهم عليهم السّلام على العالمين من الأنبياء والأولياء والمرسلين والحكماء الإلهيّين .
وأيضا أشار عليه السّلام في هذا الإيجاز إلى أنّ ذلك « 2 » الصّادر الأول هو نورهم الساطع
و
هامش
( 1 ) . ن : مشرب .
( 2 ) . ن : - ذلك .