[ القسم الثاني من المقدمة ] في بيان مدلول الكرامة لغة واصطلاحا وفي حدّها الجامع استنباطا واقتراحا
فالكرامة من جملة ما وقع التعبد بتصديق وقوعها بظاهر العلم اتفاقا من غير تفصيل ؛ لأنها ليست سببا للريبة ، ولا مظنة لها لوضوح الدلالة العقلية والنقلية على صحتها ، ثم وقوعها وإثباتها أبلغ في كمال القدرة على القوانين الشرعية ، وليست محالا عند التعقل والتسطير « 1 » ، فوجب القول بجوازها على كل تقدير ، ولفظها في اللغة اسم مشتقّ من التكريم أو الإكرام .
ويقال : وليني منه كرامة ، معناه : فضلا وتفضلا ، وهذا على قول من جعل التكريم بمعنى التفضيل ، والإكرام بمعنى الإفضال .
وفي الاصطلاح : معلوم خارق للعادة ، ظهر على يد الولي من غير دعواه ، يعقبه وقوع العلم بالتصديق ضرورة ، وهذا الحد مشتمل على قيود :
القيد الأول : قولنا : معلوم ؛ ليتناول الموجود وغير الموجود ، فالموجود كفاكهة الشتاء والصيف ، وغير الموجود كما تقدم الرؤية الباصرة من أعين الناظرين إليه ممن أراد ضرهم من قطاع الطريق ، أو غيرهم من أهل التفسيق ، وكعدم إذائة السباع له ، وجملة الحيوان المؤذي لغيره طبعا .
القيد الثاني : قولنا : خارق للعادة ؛ تحرزا من الأفعال العادية التي لا تدل بنفسها ، وإنما دلت من جهة العادات ، ويصح خرقها عقلا .
القيد الثالث : قولنا : ظهر على يد الولي ؛ تحرزا مما يظهر على يد غير الولي ، كالسحر ، والشعوذة ، والكهانة .
القيد الرابع : قولنا : من غير دعواه ؛ إخراجا للمعجزة من هذا الحد ، وهذا الحد هو الفارق الأعظم بين المعجزة والكرامة عند الجمهور من محققي أهل الأصول ممن يقول بجواز وقوع الكرامة .
هامش
( 1 ) أي التهذيب والتخطيط .