ولم يعدّوا « 1 » حضور القلب من جملة أحكام الصّلاة ، وما ورد في الخبر من أنّه " لا صلاة الّا بحضور القلب " يمكن أن يكون المراد بالحضور حضور القلب مع هذه الأمور الأربعة لئلّا يقع فتور في إتيان أمر من هذه الأمور ، ولا يقع في ذهن الفقير حضور وراء هذا الحضور .
فإن قيل : إذا كان تماميّة الصّلاة وكمالها مربوطا بهذه الأمور الأربعة ولم يكن أمر آخر وراءه ملحوظا في كمالها : ماذا يكون الفرق بين صلاة المبتدئ وبين صلاة المنتهي ؟ ! بل بين صلاة العامّيّ الّتي تكون مقرونة بإتيان هذه الأمور ؟ ! قلت : إن الفرق من جهة العامل لا من جهة العمل فإنّ أجر عمل واحد يتفاوت بواسطة تفاوت عاملين بحيث يكون أجره إذا وقع من عامل مقبول محبوب أضعاف مضاعف ذلك الأجر إذا وقع من غيره لأنّ العامل كلّما يكون عظيم القدر يكون عمله جزيل الأجر ومن ههنا قالوا : " إنّ العمل المقرون بالرّياء من العارف أفضل من عمل المريد بالإخلاص " فكيف إذا كان عمل العارف مقرونا بالإخلاص ولهذا كان الصّدّيق الأكبر رضي اللّه عنه يطلب سهو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم معتقدا أنّ سهوه أفضل من صوابه ، وعمده حيث قال : " يا ليتني كنت سهو محمّد " متمنّيا أن يكون بكلّيّته سهوه عليه الصّلاة والسّلام ، ومعتقدا أنّ أعماله التّامّة وأحواله الكاملة أنقص من سهوه صلّى اللّه عليه وسلّم في العمل فسأل بتمام التّمنّي أن تكون درجة تماميّة حسناته كدرجة سهوه عليه الصّلاة والسّلام وسهوه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل سلامه على رأس ركعتين من رباعيّ الفرض بطريق السّهو كما روي ، فصلاة المنتهي مع وجود النّتائج والثّمرات الدّنيويّة فيها يترتّب عليها أجر جزيل في الآخرة بخلاف صلاة المبتدئ والعامّيّ ، ( ع ) ما نسبة الفرشيّ بالعرشيّ *
ولنذكر نبذة من خصائص صلاة المنتهي ليقاس عليها غيرها : انّ المنتهي يجد لسانه أحيانا عند قراءة القرآن وإتيان التّسليمات والتّكبيرات كشجرة موسويّة ولا يرى قواه وجوارحه غير الآلات والوسائط ، ويجد أحيانا أنّ تعلّق باطنه وحقيقته قد انقطع عن ظاهره وصورته بالتّمام ، وصار ملحقا بعالم الغيب ، وحصّل نسبة بالغيب مجهولة الكيفيّة ، وإذا فرغ من الصّلاة يرجع ثانيا .
أو نقول : في جواب أصل السّؤال : إنّ إتيان الأمور الأربعة المذكورة على وجه الكمال إنّما هو نصيب المنتهي ، والمبتدئ والعامّيّ بعيدان عن أن يكونا موفّقين لإتيانها على وجه الكمال ، وإن كان ممكنا فإنّها لكبيرة الّا على الخاشعين ،
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
هامش
( 1 ) قوله ولم يعدوا الخ . هكذا في نسخ متعددة ولهذا أبقيناه على حاله والا ينبغي ان يكون وعدوا حضور القلب الخ . لأنه لو لم يكن حضور القلب عندهم من جملة الصلاة لما صح تعليله ورده عليهم ولما صدق قوله ولا يقع في ذهن الفقير الخ لأنه صريح في انه لا يقول بوجود حضور في الصلاة غير ما ذكر كما قال به هؤلاء منه . ( القزانى رحمة اللّه عليه )