وكيف يقبل اللّون والصّبغ فإنّه ليس مقابلا لهذه الظّلال فإن كانت له مقابلة فهي بحضرة الوجود الصّرف تعالى وتقدّس فالعارف التّامّ المعرفة إذا نزل إلى مقام العدم الصّرف بعد ترقّيه على حضرة الوجود الصّرف يحصل لهذا العدم أيضا بتوسّله انصباغ بحضرة الوجود وتزيّن به وحسن فحينئذ يحصل لجميع مراتب اعدام هذا العارف الّتي هي في الحقيقة مراتبه الذّاتيّة الحسن والخيريّة إجمالا وتفصيلا ويحصل لها الجمال والكمال وهذه الخيريّة السّارية في جميع المراتب الذّاتيّة مخصوصة بمثل هذا العارف فإن سرت الخيريّة في غيره فهي إمّا مقصورة على بعض المراتب التّفصيليّة من اعدامه الذّاتيّة أو سارية في جميع مراتبها التّفصيليّة على تفاوت الدّرجات وهذا القسم الأخير أيضا نادر الوجود وأمّا مرتبة إجمال العدم الّذي هو عين كلّ شرّ ونقص فلم تحصل فيها رائحة من الخيريّة لأحد سوى العارف المذكور ولا نوع من الحسن فيحصل لشيطان هذا العارف المتّصف بالخيريّة التّامّة أيضا حسن الإسلام وتصير نفسه الأمّارة مطمئنّة وراضية عن مولاها ومن ههنا قال سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات الا انّ « 1 » شيطاني قد أسلم فإذا كان كذلك فلا يسبقه غاز في غزوة أصلا ولا يدلّ مثل الشّيطان على الخير أبدا سبحان اللّه إنّ المعارف الّتي تظهر من هذا الحقير من غير اختيار لو اجتمع الجمّ الغفير واجتهدوا في تصوّرها لا يدرى يتيسّر أو لا ويشبه أن يكون الحظّ الوافر من هذه المعارف نصيب حضرة المهديّ الموعود عليه الرّضوان ، ( شعر ) :
ومتى أتى باب العجوز خليفة * * * * إيّاك يا صاح ونتف سبالكا
فتبارك اللّه أحسن الخالقين والحمد للّه ربّ العالمين فتكون ذوات الممكنات عدمات انعكست عليها ظلال الكمالات الوجوديّة وزيّنتها فلا جرم تكون الممكنات مأوى كلّ شرّ وفساد وملاذ كلّ سوء ونقص وعناد وما فيها من الخير والكمال فهو عارية من حضرة الوجود الّذي هو خير محض ومفاض عليها منه ما أصابك من حسنة فمن اللّه وما أصابك من سيّئة فمن نفسك شاهد لهذا المعنى فإذا استولت رؤية كونه عارية على السّالك بفضل اللّه جلّ سلطانه ورأى كمالاته من ذلك الطّرف يجد نفسه شرّا محضا ونقصا خالصا ولا يشاهد في نفسه كمالا أصلا ولو بطريق الإنعكاس ويكون كعريان لبس ثوب العارية واستولت عليه رؤية كونه عارية غاية الاستيلاء على نهج يعطي الثّوب لصاحبه بالكلّيّة في التّخيّل فحينئذ يجد نفسه بالذّوق عاريا ألبتّة وإن كان متلبّسا بثوب العارية وصاحب هذه الرّؤية مشرّف بمقام
هامش
( 1 ) قوله الا ان شيطانى الخ اخرج مسلم عن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما منكم من أحد الا ومعه قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول اللّه قال وإياي ولكن اللّه أعانني عليه فاسلم فلا يأمرني الا بخير اهروى بضم الميم وفتحه وهو الأرجح واخرج البزار عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فضلت على الأنبياء بخصلتين كان شيطانى كافرا فاعاننى اللّه حتى اسلم الحديث واخرج البيهقي وأبو نعيم عن ابن عمر رضى اللّه عنهما مثله الا ان فيه على آدم بدل على الأنبياء والباقي سواء فهذا يقوى رواية الفتح واللّه اعلم ( القزانى رحمة اللّه عليه )