بعد زمان ، وخيّل لي في ذلك الوقت أنّ هذا العالم بتمامه من العنصريّات والفلكيّات نازل إلى التّحت ، ولم يبق منه اسم ولا رسم ، ولمّا لم يكن في ذلك المقام إلّا بعض الأولياء الكبار ، والآن أجد تمام العالم شريكا لي في المحلّ والمقام .
حصلت الحيرة بأنّه مع وجود الأجنبيّة التّامّة أرى نفسي معهم . والحاصل : تظهر أحيانا حالة لا أبقى فيها أنا ولا العالم ولا يظهر شيء لا في النّظر ولا في العلم ، وتلك الحالة مستمرّة إلى الآن ووجود العالم محتجب عن النّظر والعلم ، ثمّ ظهر في ذلك المقام قصر عال قد وضع فيه سلالم فطلعت فيه ثمّ تنزّل ذلك المقام أيضا بالتّدريج مثل العالم ووجدتني صاعدا ساعة فساعة فصلّيت اتّفاقا ركعتي شكر الوضوء ، فظهر مقام عال جدّا ، فرأيت فيه الأكابر الأربعة « 1 » النّقشبنديّين قدّس اللّه أسرارهم وكان فيه أيضا مشايخ آخرون مثل سيّد الطّائفة وغيره ، وكان بعض من المشائخ فوق ذلك المقام ، ولكن كانوا قاعدين آخذين بقوائمه وكان بعضهم تحته على تفاوت درجاتهم ، ووجدت نفسي بعيدا عن ذلك المقام جدّا ، بل لم أر في نفسي مناسبة بهذا المقام . فحصل لي من هذه الواقعة اضطراب تامّ حتّى كدت أكون مجنونا ويخرج روحي من بدني من فرط الحزن والأسف فمرّت على هذه النّهج أوقات ، ثمّ رأيت نفسي أخيرا مناسبا لذلك المقام بتوجّهاتكم العليّة . ووجدت رأسي أوّلا محاذيا لذلك المقام ، ثمّ صعدت تدريجا وقعدت فوقه ، ثمّ خطر في بالى بعد التّوجّه أنّ ذلك المقام مقام التّكميل التّامّ يوصّل إليه بعد تمام السّلوك ولا حظّ من ذلك المقام لمجذوب لم يتمّ السّلوك ، وخيّل لي في ذلك الوقت أنّ الوصول إلى ذلك المقام من نتائج تلك الواقعة الّتي كنت رأيتها حين كوني في ملازمتكم ، وهي أنّي رأيت سيّدنا عليّا كرّم اللّه وجهه قد جاء وقال :
" جئتك لأعلّمك علم السّموات " إلخ . ولمّا أمعنت النّظر وجدت ذلك المقام مخصوصا بسيّدنا عليّ « 2 » كرّم اللّه وجهه من بين سائر الخلفاء الرّاشدين رضي اللّه عنهم أجمعين واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
والمعروض ثانيا : أنّه يظهر لي أنّ الأخلاق السّيئة ترتفع ساعة فساعة بعضها يخرج من البدن مثل الخيط وبعضها مثل الدّود ، ويخيّل في بعض الأوقات أنّ كلّها قد زالت ثمّ يظهر في وقت آخر . وثالثا : أنّ التّوجّه لدفع بعض الأمراض والشّدائد هل هو مشروط بأن يعلم رضا الحقّ سبحانه أوّلا أو لا ؟ والظّاهر من عبارة الرّشحات المنقولة عن حضرة الخواجة يعنى : عبيد اللّه أحرار قدّس اللّه سرّه الأقدس أنّ هذا ليس بشرط فبماذا تحكمون في هذا الباب ، مع أنّ التّوجّه غير مستحسن يعنى : عنده . ورابعا : أنّ بعد تحقّق
هامش
( 1 ) لعله أراد بهم الخواجة عبد الخالق الغجدوانى والخواجة محمد بهاء الدين النقشبند والخواجة علاء الدين العطار والخواجة عبيد اللّه أحرار قدس سرهم لمؤلفه عفى عنه .
( 2 ) أبو الحسن علي بن أبي طالب : ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، واسم أبي طالب عبد مناف ، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، أسلمت وهاجرت ، ويكنى أبا الحسن وأبا تراب ، أسلم وهو ابن سبع سنين ، وشهد المشاهد كلها ، ولم يتخلف إلا في تبوك ؛ فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خلفه في أهله ، وكان غزير العلم مرجعا في الفتوى والقضاء حتى قيل : " فتوى ولا أبا الحسن لها " ، توفي بالمدينة سنة خمسين . انظر : ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب في أخبار من ذهب : 1 / 56 ، ابن الجوزي : صفة الصفوة : 1 / 162 ، الشيخ يس السنهوتي النقشبندي ت ( 1416 ه ) : الأنوار القدسية في مناقب السادة النقشبندية : 21 .