والخواطر والخطور ، وبالجملة ظهر بعض أمارات العبوديّة والاضمحلال . بلّغنا اللّه سبحانه وتعالى ببركة توجّهكم مقام حقيقة العبوديّة والعروجات إلى ما فوق المحدّد تقع كثيرا . ( ولمّا وقع ) العروج في المرتبة الأولى ووصلت إلى ما فوق المحدّد بعد طيّ المسافة وصار الخلد مع ما تحته مشهودا خطر في ذلك الوقت في الخاطر أن أشاهد هنالك مقامات بعض الرّجال . ولمّا توجّهت وقع النّظر على مقاماتهم ورأيت هؤلاء الأشخاص في تلك المحالّ على تفاوت درجاتهم مكانا ومكانة وذوقا وشوقا .
ثمّ وقع العروج في مرتبة ثانية وصارت مقامات المشايخ العظام وأئمّة أهل البيت الكرام والخلفاء الرّاشدين المرشدين للأنام * والمقام الخاصّ بنبيّنا عليه الصّلاة والسّلام * وكذلك مقامات سائر الأنبياء والرّسل الفخام * على التّفاوت ، ومقامات الملائكة الملأ الأعلى مشهودة فوق المحدّد . ووقع من العروج فوق المحدّد مقدار ما بين مركز الأرض والمحدّد أو أقلّ من ذلك بيسير إلى أن انتهى إلى مقام حضرة الخواجة بهاء الدّين النّقشبند « 1 » قدّس اللّه سرّه وكان فوق ذلك المقام عدّة من المشائخ العظام ، بل في نفس ذلك المقام بفوقيّة يسيرة مثل الشّيخ معروف الكرخيّ « 2 » والشّيخ أبي سعيد الخرّاز « 3 » ومقامات المشايخ الباقين بعضها فيما تحته وبعضها في نفس ذلك المقام . فأمّا الّذين في المقام التّحتانيّ فمثل الشّيخ علاء الدّولة السّمنانيّ « 4 » والشّيخ نجم الدّين الكبرى « 5 » ، والّذين هم في المقام الفوقانيّ فأئمّة أهل البيت وما
هامش
( 1 ) بهاء الدين النقشبندي : محمد بن خواجة أحمد الظهوري الفاروقي العارف باللّه الشيخ بهاء الدين النقشبندي الصوفي ولد سنة 728 ه وتوفي سنة 791 ه ، من تصانيفه : الأوراد البهائية ، سلك الأنوار في التصوف ، منية السالكين وتحفة الطالبين في التصوف .
انظر ترجمته في : إسماعيل باشا البغدادي : هدية العارفين : 6 / 173 ، كحالة : معجم المؤلفين : 3 / 71 .
( 2 ) معروف الكرخي : أبو محفوظ ، القدوة الزاهد ، صاحب الأحوال والكرامات ، توفي سنة 200 ه ، كان من موالي علي بن موسى الرضى ، كان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدبهم فقال له : إن اللّه ثالث ثلاثة ، فقال : بل هو اللّه أحد ، فضربه فهرب وأسلم على يد علي بن موسى الرضى ورجع إلى أبويه فأسلما ، واشتهرت بركاته واستجابة دعوته ، كان معروف الكرخي من المحدّثين ، ومن جوامع كلمه : " مقت اللّه للعبد أن يراه مشتغلا بما لا يعنيه من أمر نفسه " ، ومن أقواله أيضا : " طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق " . انظر : ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب : 1 / 360 ،
( 3 ) أبو سعيد الخراز : أحمد بن عيسى المتوفى سنة : 277 ، وقيل سنة : 286 ه 899 م ، الخراز : نسبة إلى خرز الجلود ، الزاهد الكبير ، شيخ الصوفية ، أحد المشاهير بالعبادة والمجاهدة والورع والمراقبة ، له في ذلك التصانيف منها كتاب الصدق أو الطريق إلى اللّه ، وكتاب الصيام ، له كرامات وأحوال وصبر على الشدائد ، قال الجنيد : " لو طالبنا اللّه بحقيقة ما عليه الخراز لهلكنا " ، روى عن إبراهيم بن بشار صاحب إبراهيم بن أدهم ، ومن جيد كلامه : " إذا بكت أعين الخائفين فقد كاتبوا اللّه بدموعهم " ، وقال : " العافية تستر البر والفاجر ، فإذا نزل البلاء تبين عنده الرجال " . انظر في ترجمته : ابن كثير : البداية والنهاية : 11 / 62 ، ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب : 2 / 192 ، ابن الأثير : اللباب : 1 / 351 ، هدية العارفين : 5 / 55 ، الزركلي : الأعلام : 1 / 191 ، كحالة : معجم المؤلفين : 1 / 221 .
( 4 ) الشيخ علاء الدولة السمناني : هو الشيخ ركن الدين ، علاء الدولة محمد بن أحمد السمناني ، المالكي ، المتوفى سنة : 736 ه 1336 م ، عالم مشارك في عدة علوم ، سكن تبريز وبغداد ، محدّث ؛ سمع صحيح مسلم ، وأجاز له جماعة ، اختصر شرح السنة للبغوي ، له مصنفات كثيرة في التفسير والتصوف وغيرها حتى قيل : إنها تزيد على الثلاثمائة ، من مؤلفاته : آداب الخلوة ، فوائد العقائد ، المدارك والمعارج ، المكاشفات ، نجم القراءة في تأويلات القرآن . انظر في ترجمته : الحافظ ابن حجر : الدرر الكامنة : 1 / 250 251 ، ابن العماد :
شذرت الذهب : 6 / 125 ، حاجي خليفة : كشف الظنون : 42 ، 1299 ، 1640 ، 1811 ، 1930 ، البغدادي : إيضاح المكنون : 1 / 205 .
( 5 ) الشيخ نجم الدين الكبرى : أحمد بن عمر بن محمد الرازيّ البغدادي الخيوفيّ أبو الجناب وقيل أبو الجنان ، الشيخ الشيخ .
نجم الدين الكبرى صوفي مفسر فقيه محدّث ، ولد بخيوق إحدى قرى خوارزم سنة : ( 540 ه 1145 م ) واستشهد في ربيع الأول سنة :
18 ه 1221 م له عدة تصانيف ، منها : أصول العشرة رسالة الهائم الخائف من لومة اللائم ، سر الحدس ، رسالة الطيرق ، طوالع التنوير ، عين الحياة في تفسير القرآن في اثني عشر مجلدا ، فواتيح الجمال وفوايح الجلال باللغة الفارسية وغيرها . انظر في ترجمته : ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب : 5 / 79 - 80 ، حاجي خليفة : كشف الظنون : ( 459 ، 876 ، 1181 ) ، إسماعيل البغدادي : هدية العارفين :
5 / 90 .