تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
والرّوح من مرضها تزعم ألمها لذّة وتظنّ لذّتها ألما ومثلها مثل الصّفراويّ حيث يجد الحلو بواسطة علّة الصّفراء مرّا ، فالفكر في إزالة هذا المرض لازم للعقلاء حتّى يغشاهم الفرح والسّرور في الآلام والمصائب الجسمانيّتين ( شعر ) :
من أجل هذا العيش والمعيشة * * * * لا بدّ من شقّ المرائر يا فتى
فإن لوحظ ملاحظة جيّدة لتبيّن أنّه لو لم يكن الألم والمصيبة والمرض في الدّنيا لما تساوى بشعيرة فإنّ الوقائع والحوادث هي الّتي تزيل ظلمتها ، ومرارة الحوادث مثل مرارة الدّواء النّافع المزيل للمرض . وكان محسوسا للفقير أنّ كثيرا من النّاس يهيّئون الطّعام لدعوة عامّة ولا يقدرون أن يصحّحوا النّيّة وأن يخلّصوها عن شائبة الرّياء والسّمعة ، فيشرع في ذلك الأثناء طائفة من الحاضرين في ذلك المجمع والآكلين من ذلك الطّعام في ذمّ صاحب الطّعام ومنقصته ومنقصة طعامه ، فيحصل لصاحب الطّعام انكسار القلب من هذه الجهة ، وبهذا الإنكسار ترتفع ظلمة الطّعام الّتي طرأت عليه من عدم خلوص النّيّة ، ويقع في معرض القبول . فإن لم يكن شكوى هؤلاء الجماعة وذمّهم ولم يحصل لصاحب الطّعام انكسار القلب بسببه لكان الطّعام مملوءا بالظّلمة والكدورة ، فكيف المساغ لاحتمال القبول في هذه الصّورة . فكان مدار الأمر إذا على الإنكسار والعجز والافتقار . والأمر مشكل على أمثالنا أرباب التّربية وطالبي العيش الحسن والتّنعّم
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » نصّ قاطع . والعبادة عبارة عن التّذلّل والإنكسار فالمقصود من خلق الإنسان هو التّذلّل خصوصا المسلمين والمتدّينين ، فإنّ الدّنيا سجنهم وطلب العيش الحسن في السّجن بعيد من طور العقل ، فلا بدّ إذا للإنسان من تحمّل المشقّة والمحنة ، ولا مندوحة له في ذلك التّحمّل . أكرمنا اللّه سبحانه بالإستقامة على هذا المعنى بحرمة جدّكم الأمجد عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أيمنها .

( 65 ) المكتوب الخامس والسّتّون إلى الخان الأعظم في التّأسّف والتّلهّف على ضعف الإسلام وعجز المسلمين والتّحريض على تقوية أهل الإسلام والإغراء على إجراء أحكام الدّين

هامش
( 1 ) الآية : 56 من سورة الذاريات .
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 110 | أحمد الفاروقي السرهندي / عبد الله احمد الحنفي المصري / على رضا قشلى