ما كانت عليه من العبارة الفارسيّة زمانا طويلا * فأمّا الّذين هم من أهل لسانها فكانوا يشربون من يد خرائدها شرابا سلسبيلا * ويزيّنون بفرائدها تيجانا وأكاليلا * ويداوون بعقاقرها من سقط مريضا وعليلا * وأمّا الّذين خالفتها لغاتهم فلم يكادوا يهتدون إليه سبيلا * ولم يجدوا في وصالها عليهم دليلا * ولا من يكون عليه عويلا * فطالما امتدّت إليه أعناق الأشواق * واشتدّ صدودها على العشّاق * وهي محجّبة بأسنّة أبطال العبارات الفارسيّة * والإقدام عليها أشدّ وأصعب من اقتحام وقعة القادسيّة * ولمّا رأيت كثرة تطلاب المشتاقين إيّاها * وتطوّف العاشقين حول حماها * وسقوط الهائمين بها صرعى ما بين رباها * ورأيت الميدان عن فرسان هذا الشّأن خاليا * والزّمان ماضيا * وهي على صدودها كما هيا * اختلج في صدري أن ألقي لإصلاح ذات البين في حدود بحرها الفارسىّ المراسيا * وأقطع في جزيرة العرب مهامه ورواسيا * لما بيني وبينها من المعرفة والألفة من صغر السّنّ * إلى أن ناهز العمر الآن الثّلثين * ولكن امتنعت عن ذلك لعدم الاستطاعة وقلّة البضاعة في العلوم العربيّة * وقصور الباع وقلّة الاطّلاع على الفنون الأدبيّة * وعيّرت نفسي أشدّ تعيّر * قائلا : أنّى لك هذا ؛ فإنّك لست في العير ولا في النّفير * وهب أنّ بينك وبينها معرفة ما ولكن أين فيك حلاوة التّعبير * فإنّك لم تلدك يعرب واياد * ولم تنشأ في كوفة ولا بغداد * مع أنّ رجال هذا الشّأن قد لعبت بهم أيدي النّوائب فركبوا غارب الاغتراب * وصاح على أوطانهم البوم والغراب * وتوجّهوا نحو إقليم الزّوال والأفول * وسحب الذّلّ والمهانة على بقاياهم الذّيول * فحملوا حمولهم على زوايا الاستتار والخمول * فكلّ من جاء حول خيامهم يجول * يقوم راهب ديرهم ويقول :
( شعر )
إنّ الخيام الّتى قد جئت تطلبها * * * * بالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا
فيرجع باكيا مشبّكا عشره على رأسه ومنشدا :
لا والّذي حجّت قريش بيته * * * * مستقبلين الرّكن من بطحائها
ما أبصرت عيني خيام قبيلة * * * * إلّا بكيت أحبّتي بفنائها
أمّا الخيام فإنّها كخيامهم * * * * وأرى نساء الحيّ غير نسائها
ثمّ بعد مدّة من ذلك تأكّد ما هجس في الخاطر الفاتر هنالك بوقوع الإشارة * ممّن إشارته مشتملة على أنواع اللّطف والبشارة * فاستخرت اللّه سبحانه بعد هذه الإشارة * وكرّرت الاستخارة * فانشرح صدري * لما قصدته من أمري * وعلمت أنّ اللّه إذا أراد شيئا فلا بدّ وأن يقع حسبما أراد * ولكنّ مرور الأزمان من شروط ظهور المراد * فتوجّهت مترجّلا تلقاء مدين المآرب * راجيا من اللّه سبحانه أن أكون