الخطاب من ربه :
أيّها العبد كنت بتدبيري لك من قبل أن تكون لنفسك ، فكن لنفسك بألّا تكون لها ، وتوليت رعايتها قبل ظهورك ، وأنا الآن على الرعاية لها ، أيّها العبد أما يكفيك أني أكفيك ، أما يوجب سكوتك سوابق عوائدي فيك ، أيّها العبد تخيرني ، ولا تتخيّر علي ، ووجه قلبك بالصدق إليّ ، فإنك إن تفعل أريك غرائب لطفي ، وبدائع جودي ، وأمتع سرك بشهودي .
فعليك أيّها الأخ برجوعك في جميع مهماتك إليه ، واخرج عن حولك وقوتك ، وتذلل وانطرح بين يديه .
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : الرّضا بالقضاء ، والصّبر عند نزول البلاء ، والتوكّل على اللّه في الشّدائد ، والرّجوع إليه في النّوائب ، فإذا عرفت ذلك أيّها الأخ ، وأعرضت عن الأكوان صرت مخلصا ، وانقطعت عن الخلق ، ودخلت مقام الإحسان .
96 - علامة الإخلاص أن يفني عنك الخلق في مشاهدة الحق .
إذ حقيقة الإخلاص الخلوص من شهود الأكوان ، والدّخول في مقام الإحسان ؛ حتى لو شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج في إخلاصه إلى إخلاص ؛ إذ الإخلاص أيضا كون من الأكوان .
فالنظر إليه وشهوده بقاء مع الأكوان ، فكذلك كان الإخلاص عزيز المنال ، لا ينال ثمة معه إلّا أكمل من الرجال ، حتى قال الحسن البصري رضي الله عنه : لو وضعت لي ركعتان بالإخلاص لكفتاني .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من قال : لا إله إلّا اللّه مخلصا بها من قلبه دخل الجنة ، فقيل : ما إخلاصها يا رسول اللّه ؟ فقال : أن تحجزك عن المحارم » « 1 » .
فدلّ كلامه صلى اللّه عليه وسلم إذ النفع التام إنما هو في الإخلاص ، ومن تحقّق به خرج عن الأكوان ، ومن لازمه عدم المخالفة والعصيان ؛ إذ حقيقة المعصية بقاء مع الأكوان من
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 1 / 141 ) .