تهتكوا « 1 » أستاركم على من لا يخفى عليه أسراركم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم « 2 » قبل أن تخرج منها أبدانكم ، فللآخرة خلقتم وفي الدنيا حبستم ، إنّ المرء إذا هلك قالت الملائكة ما قدم ؟ وقال الناس ما خلف ؟ فاللّه آباؤكم ، قدموا بعضا يكن لكم ، ولا تتركوا كلا يكن عليكم ، فإنما مثل الدنيا مثل السم يأكله من لا يعرفه .
ما كان يدعو به بعض الحكماء : اللهم أهلنا بالإنابة إليك ، والثناء عليك ، والثقة بما لديك ، ونيل الزلفى « 3 » عندك وهون علينا الرحيل من هذه الدار الضيقة والفضاء الحرج والمقام الرخص ، والعرصة المحشوة بالغصة ، والساحة الخالية عن الراحة بالسلامة والربح والغنيمة إلى جوارك ، حيث قلت :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ
« 4 » مقتدر ، وحيث يجد ساكنه من الروح والراحة ما يقول معه : الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن « 5 » واحسم « 6 » مطامعنا من خلقك ، وانزع قلوبنا عن الميل إلى غيرك ، واصرف أعيننا عن زهرة عالمك الأدنى برحمتك وفضلك وجودك يا كريم .
كان عيسى « ع » يقول لأصحابه : يا عباد اللّه بحق أقول لكم : إنكم لا تدركون من الآخرة الا بترك ما تشتهون من الدنيا ، دخلتم إلى الدنيا عراة ، وستخرجون منها عراة فاصنعوا بين ذلك ما شئتم .
ومن كلام بعض الوزراء : عجبت ممن يشتري العبد بماله ولا يشتري الأحرار بفعاله ، من كانت همته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج منها .
من كلام معروف الكرخي : كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من اللّه تعالى .
لكاتب الأحرف بهاء الدين محمد العاملي عفى اللّه عنه :
يا كراما صبرنا عنهم محال * إن حالي عن جفاكم شر حال
إن أتى من حيّكم ريح الشمال * صرت لا أدري يميني عن شمال
حبذا ريح سرى من ذي سلم « 7 » * عن ربى نجد وسلع والعلم
هامش
( 1 ) أي لا تفضحوا أنفسكم بالمجاهرة بالمعصية أو باخفائها إذ كل خفي ومتستر عنده حاضر وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
( 2 ) والمقصود بخروج القلب الزهادة فيها .
( 3 ) الزلفى : المنزلة والقربة .
( 4 ) سورة القمر .
( 5 ) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الفاطر الآية 34 .
( 6 ) الحسم : القطع .
( 7 ) ذي سلم : اسم موضع .